لا شك أنّ خضوع الوثنيين ودعاءهم واستغاثتهم أمام أوثانهم كانت بوصف أنّ هذه الأصنام آلهة أو أرباب أو مالكة لحق الشفاعة ، وباعتقاد أنّها آلهة مستقلة في التصرف في أُمور الدنيا والآخرة ، ومن البديهي أنّ أية دعوة لهذه الموجودات وغيرها مع هذه الشروط ، عبادة لا محالة .
وتدل طائفة من الآيات : على أنّ دعوة الوثنيين كانت مصحوبة بالاعتقاد بألوهية الأصنام أو مالكيتها لمقام الشفاعة والمغفرة ، وإليك بعضها :
« فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ » « 1 » .
ففي هذه الآية يتضح جلياً بأنّهم كانوا يعبدونها متصوّرين ومعتقدين بأنّها تغنيهم من شيء كما يمكن للإله الحقيقي أن يفعل ذلك .
« وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ » . « 2 » .
« وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ » . « 3 » .
« فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا » . « 4 » .
فالآيات المذكورة ( في مطلع هذا الفصل ) لا ترتبط بموضوع بحثنا مطلقاً ، إذ الموضوع هو الدعوة دون الاعتقاد بإلوهية ، ولا مالكية لشيء ولا استغناء ، واستقلاله في التصرف في أُمور الدنيا والآخرة ، بل لأجل أنّ المدعو عبد من عباد اللَّه المكرمين ، وأنّه ذو مقام معنوي استحق به منزلة النبوة ، أو الإمامة ، ولأنّه وعد المتوسّلون به بقبول أدعيتهم ، وإنجاح طلباتهم فيما إذا قصدوا اللَّه عن طريقه ، كما
هامش
( 1 ) . هود : 101 .
( 2 ) . الزخرف : 86 .
( 3 ) . فاطر : 13 .
( 4 ) . الإسراء : 56 .