ولو كان مطلق الخضوع عبادة لزم أن تكون جميع هذه الأعمال ضرباً من الشرك المجاز المسموح به ، تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً .
5 . انّ القرآن الكريم يأمر بأن نتخذ من مقام إبراهيم مصلّى عندما يقول : « وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلّىً » . « 1 »
ولا ريب في أنّ الصلاة إنّما هي للَّه ، ولكن إقامتها في مقام إبراهيم الذي يرى فيه أثر قدميه أيضاً نوع من التكريم لذلك النبي العظيم ولا يتصف هذا العمل بصفة العبادة مطلقاً . « 2 » 6 . إنّ شعار المسلم الواقعي هو التذلّل للمؤمن والتعزّز على الكافر كما يقول سبحانه :
« فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ أَعِزةٍ علَى الْكَافِرينَ » . « 3 »
إنّ مجموع هذه الآيات من جانب ومناسك الحج وأعمإله من جانب آخر تدل على أنّ مطلق الخضوع والتذلّل ، أو التكريم والاحترام ليس عبادة ، وإذا ما رأينا أئمّة اللغة فسّروا العبادة بأنّها الخضوع والتذلّل كان هذا من التفسير بالمعنى الأوسع ، أي أنّهم أطلقوا اللفظة وأرادوا بها المعنى الأعم ، في حين أنّ العبادة ليست إلّا نوعاً خاصاً من الخضوع سنذكره عما قريب .
هامش
( 1 ) . البقرة : 125 .
( 2 ) . ثم إنّ بعض من يفسر العبادة بمطلق الخضوع يجيب عن الاستدلال بهذه الآيات بأنّ السجود لآدم أو ليوسف حيث كان بأمر اللَّه سبحانه فبذلك خرج عن كونه شركاً .
وسنرجع إلى هذا البحث تحت عنوان « هل الأمر الإلهي يجعل الشرك غير شرك » ؟ فلاحظ .
( 3 ) . المائدة : 54 .