الأوقات - متمثلة أمام عبدتها بحيث ينظرون إليها في كل حين ، لأجل هذا استعمل الخليل عليه السلام لفظة رب في كل الموارد التي حمل فيها على عبادة الكواكب والأجرام فقال مستفهماً : « هذا ربي » ؟ ! !
و « رب » في لغة العرب هو المتصرّف والمدبِّر الذي يدبِّر الشيء ويديره ويتحمل أمر تربيته ويتصرف فيه ، وهذه القصة - مع ملاحظة كل خصوصياتها - دليل على وجود « الشرك الربوبي » في عصر إبراهيم عليه السلام .
إنّ الشرك في الربوبية يشبه إلى حد بعيد قصة من يريد أن يحصل على بيت لنفسه ، فيهيّئ كمية كبيرة من المواد الإنشائية ويجعلها تحت تصرف البنّاء والعامل ، ويطلب منهم أن يبنوا له البيت الذي يريد ، ففي هذه الصورة تكون المواد الإنشائية من صاحب العمل ، ولكن تنسيق هذه المواد وتشغيلها والتصرف فيها يتعلّق بالبنّاء والمعمار والعمال الذين أوكل إليهم بناء البيت المذكور على نحو ما يريدون وكيفما شاءوا .
هذا هو أوضح مثال للشرك الربوبي ، ولقد كان القائلون بربوبية الملائكة والجن والأرواح المقدسة يعتقدون بأنّ موجودات هذا العالم من القمر والشمس إلى الحيوان والإنسان إلى الشجر والحجر إنّما هي المواد الإنشائية لهذا العالم ، وإنّ اللَّه فوّض أمر التصرف في هذه المواد - بعد أن خلقها - إلى هذه الأرباب ثم راحت تشتغل بتدبير الكون والتصرف فيه بالاستقلال وبمطلق الاختيار .
لقد كان هذا الفريق يعتقد أنّ مقام الخلق غير التدبير وأنّ الذي يرتبط باللَّه إنّما هو الخلق والإيجاد الابتدائي من العدم ، ولكن حيث إنّ الخلق غير التدبير ، فالتدبير يتعلّق بموجودات أُخرى غير اللَّه ، أعني : الموجودات المتصرفة لهذا العالم والتي فوض إليها تدبير عالم الطبيعة ، وليس للَّه أية مشاركة في أمر تدبير الكون
مفاهيم القرآن — صفحة 381
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٨١