فجميع هذه الأسباب والمسببات رغم ارتباطها بعضها ببعض - بحكم العلية - فهي مخلوقة للَّه جميعاً ، فإليه تنتهي العلية وإليه تؤول السببية وهو معطيها للأشياء .
ولا شك أنّ البشر هو أيضاً ذو آثار وأفعال ، كالأكل والشرب والقيام والقعود وغيرها من الأفعال ، وكلّها مرتبطة بالإنسان نفسه ، فهي أفعاله الاختيارية التي يتعلّق بها الأمر والنهي .
ولكنّه ليس مستقلًا في فعله وأثره ، فكما أنّ فعله يعد فعلًا له ومرتبطاً به ، فهكذا يعد فعله فعلًا للَّه سبحانه ومرتبطاً به بحكم كون وجوده وما أُعطي من القوى والطاقات مستندة إلى اللَّه سبحانه ، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون فعل العبد مرتبطاً بالعبد ومنقطعاً عن اللَّه ، إذ كيف يكون ذات الشيء مرتبطاً ويكون فعله منقطعاً ، فإنّ غير المستقل بالذات غير مستقل في الفعل ، والمستقل في الذات مستقل في الفعل أيضاً .
وبعبارة أُخرى : انّ المراد من كون أفعال العباد مخلوقة للَّه ليس هو كونها فعلًا له سبحانه بلا مشاركة العبد ، بل المراد هو عدم استقلال العبد والعلل كلها في مقام الإنشاء والإيجاد وإلّا لزم أن يكون في صفحة الوجود فاعلون مستقلون في الفعل والإيجاد وهو بمنزلة الشرك .
وبذلك يرتفع الاستيحاش عن القول بأنّ أفعال العباد مخلوقة للَّه ، إذ ليس المراد انّه سبحانه فاعل دونهم كما ليس المراد أنّها أفعال لهم دونه سبحانه ، بل هي أفعال له تعالى من جهة وأفعال لهم من جانب آخر .
وقد أوضحه بعض المحقّقين بالمثال التالي الذي يوضح موقف كل من مذهبي الجبر والتفويض وما هو الحق من الأمر بين الأمرين ، فلنفرض أنّ إنساناً
مفاهيم القرآن — صفحة 348
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٤٨