« لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعَاً مُتَصَدِّعَاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » . « 1 » ولا ريب أنّنا لو تجرّدنا عن آرائنا الشخصية حول الآيات القرآنية ، لوجب علينا أن نقول : إنّ هذه الجبال لابدّ أنّها تنطوي على قابلية الخشوع والتصدّع لكي يصح أن يتوجه إليها الخطاب الإلهي القرآني . إذ ليس من المعقول أن ينسب القرآن الكريم - وليس من شأنه المبالغة الكاذبة - هذا النوع من الحالة ( أي حالة الخشوع ) إلى ما لا يكون قابلًا لها . وربّما يحتمل أنّ الآية كناية عن عظمة القرآن وجلالة قدره ، بدليل انّه لو أنزله اللَّه على جبل لخشع وتصدّع ، ولا يستلزم هذا إثبات قابلية الشعور في الجبال . غير انّ الإجابة على هذا الاحتمال واضحة جداً ، فإنّ هذا التفسير مبني على ما سلّم به القائل مسبقاً من أنّه لا شعور في الجبال ، ولذلك عاد ففسر الآية على ما بنى عليه . ولو تخلّى عن هذه الفكرة - كما قلناه آنفاً - ودرس الآية بدون فكرة سابقة لوقف على أنّ الآية مع دلالتها على عظمة القرآن تدل أيضاً على وجود شعور في الجبال ، وقابلية للخضوع والخشوع الحقيقيين لديها . وليست دلالة الآية على عظمة القرآن مانعة عن دلالتها على الأمر الثاني . ويستفاد وجود مثل هذا الشعور والوعي في الجبال من بعض الآيات الأُخرى عندما تقول :
« وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ » . « 2 »
هامش
( 1 ) . الحشر : 21 .
( 2 ) . إبراهيم : 46 .