وهل ذنب هؤلاء ليس سوى إعراضهم عن عبادة اللَّه وحده ، وعبادة الأصنام التي ظنوا أنَّها شفعاء لا أكثر .
أفليس مقتضى البلاغة في المقام هو صب الحديث على معتقداتهم التي هم عليها ، لا النقاش فيما لم يكن عندهم بموضع نزاع . . بل كان موضع اتفاق ( أعني : وجود اللَّه الواحد ) .
انّ الجواب على هذا السؤال هو ما قلناه ، وبينّاه في قوله تعالى : « أَفِي اللَّهِ شَكٌّ » .
فهناك قلنا : بأنّ القرآن الكريم يحاول بطرح هذه التساؤلات أخذ الاعتراف من ضمائرهم وتحريك ما هو كامن في فطرتهم لأجل إيقاظها وتنبيهها ، كمقدمة لأخذ نتيجة أُخرى .
إنّ القرآن يسعى من خلال الاستفادة من المقدمة المسلم بها التي تنطوي عليها ضمائر القوم وهي « اعترافهم بوجود اللَّه الواحد » أن يمهد لدعوتهم إلى عبادة اللَّه الواحد ، وهدايتهم إلى توحيد العبادة .
فبأخذ هذا الاعتراف منهم ( نعني الاعتراف بأنّه لا خالق ولا مدبّر لهم إلّا اللَّه ، وأنّه الخالق المدبّر الوحيد الذي منه وجود وتدبير كل الكائنات على الإطلاق ) .
أقول : بأخذ هذا الاعتراف يوجه القرآن ضربة قاضية إلى مسلكهم المنحرف في العبادة ، لأنّه إذا كان الخالق والمدبّر واحداً لا أكثر . . وإذا كان هذا الخالق والمدبّر هو الوحيد الذي استمدت منه كل الموجودات ( من إنسان وغيره ) وجودها وتدبيرها ، فإذن لابد من عبادته وحده ، والكف عن عبادة غيره من الموجودات
مفاهيم القرآن — صفحة 164
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٦٤