اقتضى حصر العزة في الكاثر بالرجال والأهل ، أي : لا عزة لمن لا رهط له ، أو لمن قل رهطه ، وعلى هذا فقس ، فإنه مطرد .
فإن قلت : لم يطّرد في نحو : « إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم » « 1 » الآية ، ونحو : « إنما الأعمال بالنيّات » و « إنما الربا في النسيئة » لثبوته في التفاضل .
قلت : أما الآية ، فالمراد بها : إنّما المؤمنون الكاملون بالإيمان ، فيستقيم الحصر إذن .
وأما الثانية : فليس عدم الاطراد فيها راجعا إلى اقتضاء « إنما » الحصر ، لا عدمه ، بل إلى تخصيص عموم الواقع بعدها بتخصيص ما .
واعلم أن خبر الجملة الاسمية الواقعة بعد « إنما » إذا كان جارا ومجرورا متعلقا بالخبر الحقيقي محذوفا ، فيختلف في الحكم ؛ للاختلاف في تقديره ، كهذه الصورة ، إذ بعضهم يجعل تقدير « إنما الأعمال » صحيحة بالنيات ، وبعضهم كاملة بالنيات ، فيكون الخلاف على القول بالحصر في جهته لا في حقيقته ، فتنبه لهذا .
ومنها التقديم والتأخير في الاستفهام .
وحكمه ما سبق في النفي : وهو أن الواقع بعد حرف الاستفهام إن كان الفعل فهو المستفهم عنه ، المشكوك في وجوده نحو : « أركب الأمير ؟ » فالمركوب هو المشكوك فيه ، وإن كان الاسم ، فالسؤال عنه ، والشك في تعيين الفاعل ، وكذا الكلام في المستقبل ، واسم الفاعل نحو : « أتفعل هذا ؟ » و « أأنت تفعل هذا ؟ » و « أضارب أنت زيدا ؟ » و « أأنت ضارب زيدا ؟ » .
ثم إن للاستفهام معاني :
أحدهما : الاستعلام ، وهو الأصل كما سبق .
الثاني : التأسيس ، نحو :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ؟
« 2 » لأنه تعالى لم يكن مستفهما ، ولا منكرا عليه ، ولكنه رآه خائفا ، فآنسه وحقق عنده أنّ ما في يده عصا ؛ ليتحقق حصول المعجز عند قلبها حية ، وبهذا المعنى قد سمي استفهام التقرير .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال آية 2
( 2 ) سورة طه آية 17 .