قصد ، فكأن الكفار حين جاءهم القرآن ، قالوا : إنه ليعترينا ريب فيه ، فقال : « لا ريب فيه » سلبا مطابقا لإيجابهم في تقديم الريب وكأنه الناس لما سمعوا
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ، بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ
« 1 » ، قالوا : إن اللّه تعالى يعدنا في الآخرة بخمر ، أفترى فيها غول ، كخمر الدنيا ؟ فأجابهم طبق كلامهم في تأخير القول ، فقال :
« لا فيها غول » .
ويجوز أن توجه الفرق على ما ذكره ، حيث قالوا : ينبغي تطابق السؤال والجواب ، « ولا ريب فيه » ، تقديره : لا من ريب فيه ، جوابا ، كقول قائل « هل من ريب فيه » ؟
فحذفت من ، وركبت لا مع المجرور ، فنفى الجواب مطابقا للسؤال في تقديم الريب ، وهذا أحسن من الأول .
ووجه التطابق في « لا فيها غول » ما سبق ، فهذا الذي قبّح اللّه به في هذا الفرق ، وللناظر فيه الخيار بحسب قوته ومادته ، واللّه أعلم .
ومنها التقديم والتأخير في النفي .
وضابطه : أن المنفي ما ولى حرف النفي .
فإذا قلت : « ما ضربت زيدا » كنت نافيا للفعل الذي هو ضربك إياه .
وإذا قلت : « ما أنا ضربته » كنت نافيا لفاعليتك الضرب .
فإن قلت : الصورتان دلّتا على نفي الضرب عنه ، فما الفرق ؟
قلت : الفرق من وجهين :
أحدهما : أن الأولى تضمنت نفي ضرب خاص عنه ، وهو ضربك إياه ، ولم يدل على وقوع ضرب غيرك ولا عدمه ، إذ نفي الأخص لا يدل على نفي الأعم ولا ثبوته .
والثانية : نفت كونك ضربته ، ودلت على أن غيرك ضربه من جهة دليل الخطاب .
الثاني : أن الصورة الأولى دلت على نفي ضربك له بغير واسطة ، والثانية دلت على نفيه بواسطة نفي فاعليتك .
هامش
( 1 ) سورة الصافات آية 45 ، 46 .