أحدهما : كمال قدره اللّه تعالى على خلقه ، بحيث لا عاصم من أمره إلا من رحم ؛ لأن هؤلاء اعتقدوا حصانة حصونهم ، ووثقوا بمنعها إياهم ، فأتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا فلم يعتصموا .
الثاني : جهلهم ، وقلة عقولهم ؛ حيث لم يحتاطوا لأنفسهم ، ويتحصنوا بطاعة اللّه ورسوله ، التي هي أمنع الحصون ، ولو قدم المبتدأ ، لما أفاد الكلام هذا المعنى ، أو أفاده إفادة ضعيفة .
ومنها تقديم الحال والاستثناء
، نحو : جاء راكبا زيد ، وراكبا جاء زيد ، وما جاءني إلا زيدا أحد ، وهو كضرب من الاختصاص ، إذ لو أخر ، يحصل التردد والاختيار المذكوران بين جاء زيد راكبا ، أو ماشيا ، أو ضاحكا ، وغيره من الأحوال ، وما جاءني أحد إلا زيد ، أو عمرو ، أو بشر ، وقياس ما ذكرنا : أن تقديم الحال على الفعل ، وما قام مقامه حيث يجوز ، أبلغ أنواع التقديم في باب الحال .
ومنها تقديم الجار والمجرور ، وله صورتان :
إحداهما : أن يكون في كلام مثبت
، وفائدته اختصاص لمجرور دون غيره بإسناد ما بعده من معنى الكلام إليه ، كقوله تعالى :
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
« 1 » دل على اختصاص ضرر الكفر بمن كفر ، لا بغيره ، ولو قال « فكفره عليه » ؛ لاحتمل قبل ذكر الجار والمجرور التردد المذكور . وكقوله تعالى :
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
« 2 » أفاد اختصاصه بالملك والحمد مبادهة ، بخلاف الملك والحمد له ، وأفاد أنه قادر على كل مقدور ، بخلافه « وهو قدير على كل شيء » إذ يحتمل قبل ذكر لفظ العموم أنه قدير على بعض الأشياء فقط . وكقوله تعالى :
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
« 3 » إذ يحتمل التردد المذكور قبل ذكر المجرور .
هامش
( 1 ) سورة الروم آية 44 .
( 2 ) سورة التغابن آية 1 .
( 3 ) سورة الغاشية آية 25 و 26 .