وأما فائدة « إياك نعبد » مع ما قبله من خطاب الغيبة ، فمن وجهين :
أحدهما : أنهم لما وصفوا اللّه تعالى بخصائص الربوبية ، وصفات الأهلية بأسلوب الغيبة ؛ ليكون أدل على صدقهم وإخلاصهم في ذلك ، مما إذا خاطبوه به ؛ إذ المخاطب بالمدح قد يراقب فيداجي ، ويخالف لسانه قلبه ، بخلاف المادح في الغيبة حيث عدلوا حال الإخبار والسؤال إلى الخطاب ؛ لأنه أدل على الخضوع ، والضراعة ، وشدة الرغبة ، ومسيس الحاجة ، كما تقول لملك أنعم عليك « أنا شاكر للملك المعظم الجواد ، مالك الرعايا والملوك ، بك أيها الملك المتصف بهذه الصفات ، أستعين على أموري ، وإليك ألجأ من جميع محاذيري » .
الثاني : أن أسلوب الخطاب أخص من أسلوب الغيبة ، والعبادة أخص من الحمد والثناء ، إذ الإنسان يحمد نظيره ولا يعبده ، فاستعمل الأسلوب الأخص في ذكر الفعل الأخص .
ومنها قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
« 1 » إلى قوله :
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ
ولم يقل : « فامنوا باللّه ربي » لفائدتين :
إحداهما : دفع التهمة عن نفسه بالعصبة لها .
الثانية : تنبيههم على استحقاقه الاتباع لما اتصف به من الصفات المذكورة من النبوة والأمية التي هي أكبر دليل على صدقه . وأنه لا يستحق الاتباع لذاته ، بل لهذه الخصائص التي بمن قامت وجب اتباعه ، نحو ما أشرنا إليه في قول القائل « مثلي لا يفعل كذا وكذا » في الفرع الثاني من فروع الإرداف من باب الكناية .
ومنها قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ
الآية « 2 » وفائدة ذلك العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم ،
هامش
( 1 ) سورة الأعراف آية 158 .
( 2 ) سورة يونس آية 22 .