وبعض القرآن غير واضح في لفظه ومعناه جميعا ، وهو الذي يحتاج إلى تفسير :
فقوله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ
( التكوير 17 ) ، يفيد الإقبال والإدبار . وقوله تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
( البقرة 228 ) ، يفيد معنى الطهر والحيض . وقوله تعالى :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
( الواقعة 79 ) ، يحتمل النهي والخبر .
ومن النصوص القرآنية ما يشمل بعض الألفاظ التي تتسم بالغرابة كقوله تعالى :
وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً
( هود 77 ) . وقوله تعالى :
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ
( الذاريات 59 ) ، فالذنوب هو الدلو الممتلئ ، ومعناه هنا الحظ والنصيب .
فكانت هذه الألفاظ والمعاني في حاجة إلى تفسير .
وهنا قد يسأل سائل : ما فائدة اشتمال القرآن على معان وألفاظ تحتاج إلى تفسير ، وقد نزل القرآن ليعمل الخلق بمضمونه ، وقد كان إنزاله خاليا من الإشكال والإجمال أحرى أن تبادر الأفهام إلى معناه ، فتبادر القلوب والأبدان إلى امتثال مقتضاه ؟ .
يجيب الطوفي عن هذا السؤال بقوله ، إن ورود هذين القسمين : الظاهر والخفي في القرآن له عدة فوائد :
الأولى : إن القرآن نزل بلسان العرب ولغتهم ، وهي مشتملة على الواضح وغير الواضح ، وكلاهما بليغ في موضعه ، فلو خلا القرآن من أحدهما ، لكان مقصّرا عن رتبة اللغة ، فلا يصلح إذن للإعجاز .
الثانية : إن اللّه تعالى أنزل الواضح ليتعبد المكلفون بالعمل به على الفور من غير احتياج إلى نظر ، وأنزل غير الواضح ليتعبّد العلماء في استخراج معناه ؛ لأن العمل بالمفهوم منه ، والإيمان بغير المفهوم منه تعبدان صحيحان ، يحصل بهما تمييز الطاعة من العصيان ، والكفر من الإيمان .
الثالثة : إن اللّه تعالى أنزل غير الواضح ؛ ليكون شركا من أشراك الضلال ، فيقع