والمعاني تتعلق بعوارض العبارة من تقديم وتأخير ، وإضمار وتقدير ، وإطناب وإيجاز وكناية وإلغاز وغير ذلك من العوارض .
فالنظر في الألفاظ وما يتعلق بها من خفة وعذوبة ، والنظر في المعاني وما يطرأ عليها من سهولة ورقة ، وسلاسة وحلاوة ، أمر ضروري لا مناص منه للوقوف على سلامة العبارة أولا ، وجمالها ثانيا .
ويكفي لبيان فضيلة هذا العلم وشرفه أن اللّه تعالى أثنى على نفسه في معرض التمدح بأنه علّم الإنسان البيان ، فقال :
الرَّحْمنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ .
وأن الرسول عليه السلام يصف تأثير البيان في النفوس كتأثير السحر بقوله :
( إن من البيان لسحرا ) . وفي الأثر : « المرء مخبوء تحت لسانه » أي لا يتكشّف قدره وتأثيره إلا من خلال كلماته .
الجملة الأولى : وفي الجملة الأولى يتحدّث الطوفي عن آداب التأليف وكيفية الوصول إليه ، فيذكر أن المعاني للألفاظ كالأرواح للأجساد ، والنقص في أحدهما يؤثر نقصا في الكلام .
فينبغي للمنشئ أن يتخيّر الإنشاء في وقت نشاطه وفراغ باله ، ولا يغالب خاطره ساعة إعراضه فإن ذلك يشين ألفاظه ومعانيه .
وليعمد إلى أشرف المعاني وأجلّها ، وليعبّر عنها بأحسن الألفاظ وأدلّها .
ولا يقصر همته على تجويد أحدهما ؛ بل يكون شديد العناية بهما ، فإن معنى لا لفظ له ناقص ، ولفظا لا معنى له في ميدان البلاغة لا قيمة له .
وينبغي للمؤلف أن يخاطب كل قوم بما يقرب من أفهامهم ، فإن ذلك من مقاصد البيان ، فكتب الرسول عليه السلام إلى كسرى كانت غاية في الوضوح ، لكونهم أعاجم ؛ وكتبه إلى العرب كانت في غاية الفصاحة والغرابة ؛ لأنهم كانوا يفهمون عنه ذلك .