وإذا فرغ من إنشاء كلامه ، اشتغل بتنقيح ألفاظه ، وترصيف معانيه ، من تقديم مؤخر ، وتأخير مقدّم ، وتبديل ثقيل بأخف ، وأخذ بأثقل ؛ ليحصل التلاؤم والتعادل ، وليجعل كأن معترضا يعترض على كلامه ويناقشه ، فيورد الأسئلة على نفسه ، ويجيب عنها بما يستقر عليه جوابه .
وأما بيان الطريق إلى معرفة التأليف فأجودها وأحراها بالوصول أن يدرب المنشئ نفسه على النظر في أنواع علم العربية : نحوا ولغة وتصريفا ، وفي أشعار العرب وخطبهم ومواقع كلامهم ، وفيما أنشأه المتأخرون من نظم ونثر في علم المعاني والبيان ، حتى تصير لنفسه بذلك ملكة وقوة ، فإذا ساعده مع ذلك ذهن وقّاد ، وقريحة مجيبة ، حصل حسن الإنشاء فوق غرضه ، وهذه هي طريقة الفحول ، كمن أراد بناء حائط ، فأعدّ له من اللبن والآجرّ والطين ، ووضعه بحسن صناعته وضعا محكما .
* * * ثم يتحدث عن الحقيقة والمجاز :
فالحقيقة أصل والمجاز فرع ، إلا أن بعض المجازات قد اشتهرت غلبتها على حقائقها وصارت أبلغ في الإفهام وأسبق إلى الإفهام .
وإذا كثر المجاز لحق بالحقيقة في اشتهاره حتى تخفى حاله ، فلا يظهر إلا بنظر دقيق ، ولهذا كان أكثر اللغة - عند بعض العلماء - مجازا ، ويتوهّم أنه حقيقة ، وإن كان الطوافي ينكر ذلك ولا يأخذ به .
ونراه أيضا يعترض على ابن الأثير حين يزعم زيادة الحروف في القرآن لغير فائدة ، ضاربا المثل بقوله تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
( آل عمران 159 ) ، أي فبرحمة ، و ( ما ) زائدة لا معنى لها ، فيعقب على ابن الأثير بقوله :
وهذا وهم قبيح ؛ فإن فائدة « ما » هاهنا تعديل أجزاء الكلام والتسوية بين صدر الآية وعجزها ، وقد منع النحاة والأصوليون أن يكون في القرآن زائد لا معنى له ، وهو حق ، وكل ما توهمت زيادته منه ، ففائدته ما ذكرناه من تعديل العبارة . وكما يعرض الطوفي لزيادة الألفاظ في القرآن ، يعرض كذلك للنقصان الذي لا يخلّ بمعنى الكلام