و من جوّز ارتكاب تأويل فى مثل هذا الكلام ، فقد أبعد ما بين السماء و الأرض ، و كيف يظنّ بفقيه صنّف كتابا فى الفتوى لأجل عمل الناس ، ثمّ يقصد فيما أورد فيه معانى لا يصل إليها ذهن أحد من باب التعمية و الألغاز ؟ هذا ممّا لا وجه له أصلا ، و هل هو إلَّا تعسّف بارد لا يرتكبه المقتصدون من أهل العدل و الإنصاف ؟
و ظاهر الشيخ فى التهذيب موافقته للمفيد لأنّه نقل كلام المفيد و أورد بعض الأخبار الدالَّة عليه و لم يتعرّض لبيان تأويل أو تخصيص كما هو دأبه و عادته فيما يخالف ظاهره لقوله و مذاهبه .
و قال المفيد فى كتاب الإشراف على ما حكاه جماعة من العلماء المعتبرين : باب عدد ما يجب به الاجتماع فى صلاة الجمعة : و عدد ذلك ثمانى عشر خصلة : الحرّية و البلوغ و التذكير ، و سلامة العقل ، و صحّة الجسم ، و السلامة من العمى ، و حضور المصر ، و الشهادة للنداء ، و تخلية السرب ، و وجود أربعة نفر مما تقدّم ذكره من هذه الصفات ، « 1 » و وجود خامس يؤمّهم له صفات يختصّ بها على الإيجاب : ظاهر الإيمان [ و العدالة ] و الطهارة فى المولد من السفاح و السلامة من ثلاثة أدواء : البرص و الجذام و المعرة « 2 » بالحدود المشينة « 3 » لمن أقيمت عليه فى الإسلام ، و المعرفة بفقه الصلاة ، و الإفصاح بالخطبة و القرآن ، و إقامة فروض الصلاة فى وقتها من غير تقديم و لا تأخير عنه به حال ، و الخطبة بما يصدق فيه من الكلام . فإذا اجتمعت هذه الثمانى عشر خصلة ، وجب الاجتماع فى الظهر من يوم الجمعة على ما ذكرناه ، و كان فرضها على النصف من فرض الظهر للحاضر فى سائر الأيام . « 4 » و قال ابو الصلاح تقى بن نجم الحلبى فى الكافى « 5 » على ما حكى عنه جماعة من ثقات أصحابنا : و لا تنعقد الجمعة إلَّا بإمام الملَّة أو منصوب من قبله أو به من يتكامل له صفة إمام الجماعة عند تعذّر الأمرين . « 6 » و هو صريح فى عدم اشتراط الإمام أو نائبه ، و ليس فيه زيادة على ما هو المعتبر عنده فى إمام الجماعة حيث قال فى باب الجماعة : و أولى الناس بها إمام الملَّة أو من ينصبه ، فإن تعذّر الأمران لم تنعقد إلَّا بإمام عدل . « 7 » و قال بعد العبارة التى نقلناها أولا : إذا تكاملت هذه الشروط انعقدت جمعة ، و انتقل فرض الظهر من أربع ركعات إلى ركعتين بعد الخطبة ، و تعيّن فرض الحضور على كلّ رجل
هامش
« 1 » در چاپى : و وجود اربعة نفر بما يأتى ذكره من هذه الصفات .
« 2 » المعرة ، الأمر القبيح المكروه و الأذى .
« 3 » المشاين : المعايب و القبائح .
« 4 » الإشراف ، ص 24 - 25 ( المطبوع فى سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد ، ج 9 )
« 5 » فى الاصل : الكامل !
« 6 » الكافى ، ص 151
« 7 » الكافى فى الفقه ، ص 143