و عبارة اللمعة تحمل معنى آخر ، و هو قيام الفقيه مقام المنصوب على الخصوص فى الوجوب العينى ، و هذا له وجه وجيه عند من يعتبر فى وجوبها إذن الإمام أو من نصبه كما علم من مذهب الأصحاب .
و ما عدا هاتين العبارتين من كلام من وقفت عليه من الأصحاب ، بين مصرّح بعدم اشتراط الفقيه و أنّ الشرط مجرّد العدد المعتبر مع إمام يجوز الاقتداء به ، و بين مطلق للحكم أو معمّم للمؤمنين بحيث يتناول موضع النزاع ، و سنحكى كلام جماعة ممّن وقفنا على كلامهم من الأعيان ، زيادة فى البيان ، على وجه يبيّن أنّ دعوى الإجماع على اشتراط الفقيه حينئذ مجرّد حسبان ، و أنّ هذه الدعوى لو قلبت لقام لمدّعيها البرهان . فممّن عمّم الحكم فى عبارته شيخنا المتقدّم المفيد محمّد بن النعمان ، فإنّه قال فى كتاب الإشراف فى عامّة فرائض الإسلام : باب عدد ما يجب به الاجتماع فى صلاة الجمعة ، عدد ذلك ثمانى عشرة خصلة :
الحرّيّة و البلوغ و التذكير و سلامة العقل و صحّة الجسم و السلامة من العمى و حضور المصر و الشهادة للنداء و تخلية السرب و وجود أربعة نفر بما تقدّم ذكره « 1 » من هذه الصفات .
و وجود خامس يؤمّهم ، له صفات يختصّ بها على الإيجاب : ظاهر الإيمان ، و الطهارة فى المولد من السفاح ، و السلامة من ثلاثة أدواء : البرص و الجذام و المعرّة بالحدود المشينة لمن أقيمت عليه في الإسلام ، و المعرفة بفقه الصلاة ، و الإفصاح بالخطبة و القرآن ، و إقامة فرض الصلاة فى وقتها من غير تقديم و لا تأخير عنه به حال ، و الخطبة بما يصدق فيه من الكلام .
فإذا اجتمعت هذه الثمانى عشرة خصلة وجب الاجتماع فى الظهر يوم الجمعة على ذكرناه ، و كان فرضها على النصف من فرض الظهر للحاضر فى سائر الأيّام . « 2 » انتهى المقصود من عبارته .
و هو صريح فى أنّ المعتبر فى إمام جمعة هو المعتبر فى إمام الجماعة عنده على تسهيل فى الشرائط أيضا ؛ فإنّه لم يعتبر فيه العدالة الظاهرة كما اعتبره المتأخّرون ، « 3 » بل اكتفى به ظاهر الإيمان الكافى فى الحكم بالعدالة حيث لا يظهر لها مخالف كما ذهب إليه جماعة من علمائنا المتقدّمين . « 4 » و دلَّت أيضا على أنّ إذن الإمام ليس به شرط مطلقا ، خلاف ما ادّعاه القوم المذكورون ،
هامش
« 1 » فى المصدر : بما يأتى ذكره بدل لما تقدّم ذكره .
« 2 » الإشراف ، ص 24 - 25
« 3 » كالمحقّق فى شرائع الإسلام ، ج 1 ، ص 87 ؛ و العلَّامة فى نهاية الإحكام ، ج 2 ، ص 14 و تذكرة الفقهاء ، ج 4 ، ص 22 ، المسألة 384 ؛ و الشهيد فى البيان ، ص 190
« 4 » قال العلامة فى مختلف الشيعة ، ج 2 ، ص 513 ، المسألة 372 : قال ابن الجنيد : كلّ المسلمين على العدالة ، إلى أن يظهر منه ما يزيلها ، و هو يشعر بجواز إمامة المجهول حاله إذا علم إسلامه .