و قد ظهر بذلك ضعف القول بسقوطها حال الغيبة مطلقا بل بطلانه .
و بقى الكلام مع القول الثانى الذى يشترط فى جوازها الفقيه ، و ما ذكرناه من الأدلَّة كاف فى ضعف القولين معا ، و لكن تحقيق المقام يتوقّف على تخصيصهما بالكلام . فلنشرع الان فيه بمشيئة اللَّه تعالى .
الكلام على القول الثانى
و هو وجوب الصلاة المذكورة حال الغيبة لكن به شرط حضور الفقيه الجامع لشرائط الفتوى ، و إلَّا لم تشرع .
اعلم أنّ هذا القول لم يصرّح به أحد من فقهائنا على وجه اليقين ، و إنّما هو ظاهر عبارة العلَّامة جمال الدين فى التذكرة « 1 » و النهاية « 2 » و الشهيد فى الدروس « 3 » و اللمعة « 4 » ، لا غير ، و فى باقى كتبهما وافقا غيرهما من المجوّزين من حيث الإطلاق ، و سنتلو عليك عبارتهما فى ذلك و نبيّن عدم دلالتها على المطلوب ، بل عدم موافقة دليلها لظاهرها ، فقولهما بذلك غير متيقّن .
و لكن المحقّق المرحوم الشيخ عليّ قدّس سرّه اعتنى بهذا القول و ترجيحه ، و ادّعى إجماع القائلين بشرعيّتهما عليه ، « 5 » و الأصل فى هذا القول أنّ إذن الإمام معتبر فيها ، فمع حضوره يعتبر حضوره أو نائبه ، و مع غيبته يقوم الفقيه المذكور مقامه ؛ لأنّه نائبه على العموم ، و جملة ما ذكروه من الدّليل على هذا الشرط أمور ثلاثة :
الأوّل : أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه و آله كان يعيّن لإمامة الجمعة و كذا الخلفاء بعده كما يعيّن للقضاء ؛ و كما لا يصحّ أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام فكذا إمام الجمعة . قالوا : و ليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمرّ فى الأعصار ، فمخالفته خرق الإجماع .
الثانى : رواية محمّد بن مسلم قال : لا تجب الجمعة على أقلّ من سبعة : الإمام و قاضيه و مدّع حقّا و مدّعى عليه و شاهدان و من يضرب الحدود بين يدى الإمام . « 6 » و فيه دلالة على اشتراط الإمام حيث جعله أحد السبعة .
الثالث : أنّه إجماع ، كما نقله جماعة من الأصحاب منهم المحقّق نجم الدين بن سعيد
هامش
« 1 » تذكرة الفقهاء ، ج 4 ، ص 27 ، المسألة 389
« 2 » نهاية الإحكام ، ج 2 ، ص 14
« 3 » الدروس الشرعيّة ، ج 1 ، ص 186
« 4 » اللمعة الدمشقيّة ، ص 15
« 5 » رسالة صلاة الجمعة ضمن رسائل المحقّق الكركى ، ج 1 ، ص 158 - 160 ( و المطبوع فى نفس هذه المجموعة )
« 6 » الفقيه ، ج 1 ، ص 267 ، ح 1222 ، باب وجوب الجمعة و فضلها و ح 6 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 3 ، ص 20 - 21 ، ح 75 ؛ باب العمل فى ليلة الجمعة و يومها ، ح 75 ؛ الاستبصار ، ج 1 ، ص 418 - 419 ، ح 1608 ، باب العدد الذين يجب عليهم الجمعة ، ح 2