و مثل هذا القول الشنيع المخالف لجمهور المسلمين و صريح الكتاب و السنّة لا ينبغى إثباته و نسبته لمثل هذا الفاضل بمجرّد الظهور ، بل لابدّ فيه من التحقيق ، و إنّما كان ظاهره ذلك من غير تحقيق ؛ لأنّ السائل لمّا سأله عن صلاة الجمعة هل تجوز خلف المؤالف و المخالف جميعا ، أجاب بما هذا لفظه : « لا جمعة إلَّا مع إمام عادل أو من نصبه الإمام » . فالحكم على ظاهر هذه العبارة واضح ، و هى مع ذلك تحتمل خلاف ظاهرها من وجهين :
أحدهما : حمل النفى الموجّه إلى الماهيّة إلى نفى الكمال كما هو واقع كثيرا فى الكتاب و السّنة . و يؤيّد هذا الوجه أنّه قال فى كتابه الفقه الملكى « 1 » : الأحوط أن لا تصلَّى الجمعة إلَّا بإذن السلطان و إمام الزمان ؛ لأنّها اذا صلَّيت على هذا الوجه انعقدت و جازت بإجماع ، و إذا لم يكن فيها إذن السلطان لم يقطع على صحّتها و إجزائها .
هذا لفظه ، و هو ظاهر فى أنّ إذن الإمام معتبر اعتبار كمال و احتياط لا تعيّن .
و الثانى : حمل المنع من الصلاة بدون إذن الإمام العادل مع إمكان إذنه لا مطلقا ، كما هى عادة الأصحاب على ما ستقف عليه إن شاء الله من عباراتهم ، فإنّهم يطلقون اشتراط إذنه فى الوجوب ثمّ يجوّزون فعلها حال الغيبة بدونه مريدين بالاشتراط على تقدير إمكانه .
يؤيّد هذا الحمل لكلام المرتضى رحمه اللَّه على الخصوص قوله فى الكتاب المذكور سابقا : « و الأحوط أن لا تصلَّى الجمعة إلَّا بإذن السلطان ، إلخ » ؛ لأنّ إذنه إنّما يكون أحوط مع إمكانها لا مطلقا ، بل الإحتياط مع تعذّرها فى الصلاة بدونها امتثالا لعموم الأمر من الكتاب و السّنة و غيرهما من الأدلَّة ، و مع قيام الإحتمال يسقط القول بنسبته إلى المرتضى رحمه اللَّه على التحقيق و إن كان ظاهره ذلك .
نعم صرّح به تلميذه سلَّار ، « 2 » و بعده ابن إدريس ؛ « 3 » فهذان الرجلان عمدة القول بسقوطها حال الغيبة ، و ربما مال العلامة فى بعض كتبه « 4 » إلى هذا القول ، لكنّه صرّح بخلافه فى غيره خصوصا المختلف ، « 5 » و هو آخر ما صنّفه من الكتب الفقهيّة فى هذا الباب . « 6 » و لا يخفى عليك حال قول يختصّ من بين المسلمين بهذين الرجلين مع معارضة الكتاب و السنّة لهما على الوجه الذى بيّنّاه .
هامش
« 1 » الظاهر انّ هذا الكتاب فقد و لم يصل إلينا ، و ذكره ابن شهر آشوب فى معالم العلماء ص 70 ، و الطهرانى فى الذريعة ج 16 ، ص 292
« 2 » المراسم ص 261
« 3 » السرائر ج 1 ، ص 303
« 4 » يأتى فى ص 74 عند الكلام على القول الثالث .
« 5 » مختلف الشيعة ج 2 ، ص 252 ، المسألة 147
« 6 » انظر فى ذلك الذريعة ج 20 ، ص 220 ، و غاية المراد ج 1 ، ص 35 - 36 ، مقدمة التحقيق ، و تأمل .