. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
ص 212 : ما ذكر من نسبة الإيمان إلى اليمن وأهله ، قد صرفوه عن ظاهره من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة ، ثم المدينة حرسهما اللَّه ، فحكى أبو عبيد إمام الغريب ، ثم من بعده ، في ذلك أقوالا : أحدها : أن المراد بذلك مكة ، فإنه يقال : إن مكة من تهامة ، ويقال : إن تهامة من أرض اليمن . والثاني : أن المراد مكة والمدينة ، فإنه يروى في الحديث : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال هذا الكلام وهو يومئذ بتبوك ، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن ، فأشار إلى ناحية اليمن ، وهو يريد مكة والمدينة ، فقال : " الإيمان يمان " ، ونسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذ من ناحية اليمن ، كما قالوا : الركن اليماني ، وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن . الثالث : ما ذهب إليه كثير من الناس ، وهو أحسنها عند أبي عبيد : أن المراد بذلك الأنصار ، لأنهم يمانون في الأصل ، فنسب إليهم لكونهم أنصاره . وأنا أقول - واللَّه الموفق - : لو جمع أبو عبيد ، ومن سلك سبيله ، طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها ، لصاروا إلى غير ما ذكروه ولما تركوا الظاهر ، ولقضوا بأن المراد بذلك : اليمن وأهل اليمن ، على ما هو مفهوم من إطلاق ذلك ، إذ من ألفاظه : " أتاكم أهل اليمن " ، والأنصار من جملة المخاطبين بذلك ، فهم إذا غيرهم . وكلل لك قوله : " جاء أهل اليمن " ، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار ، ثم إنه وصفهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يقضي بكمال إيمانهم ورتب عليه قوله : " الإيمان يمان " . فكان ذلك نسبة للايمان إلى من أتاهم من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة . ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهرة وحمله على أهل اليمن حقيقة ، لأن من اتصف بشيء وقوي قيامه به ، وتأكد اضطلاعه به ، نسب ذلك الشيء إليه إشعارا بتميزه به وكمال حاله فيه . وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان ، وحال الوافدين منهم في حياته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وفي أعقاب موته ، كأويس القرني ، وأبي مسلم الخولاني ، وأشباههما ممن سلم