تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
فلنتأمل معا مجادلة نوح عليه السلام لقومه ، وهم يجادلون في اللّه ، ونوح يريد أن يهديهم بأمر اللّه تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ . .
[ الآيات 25 - 33 من سورة هود ] هذا مشهد من مشاهد القول ، تجد فيه مناقشة قوية بين دعوة الحق ، وجحود أهل الباطل ، وتراه كأنه مصوّر أمام البصيرة ، وترى فيه صاحب الحق يدلى بالبينات ، والحق وحده أبلج ، وترى فيه أهل الباطل يتخذون من الحسّ دليلا على الحق ، وحسهم كاذب ، فيستدلون على أن الدعوة ليست دعوة حق بأن أتباعها هم الفقراء الأرذلون في أعينهم ، الذين يزدرونهم . ونوح عليه السلام يجادلهم بالتي هي أحسن ، وهو يسوق البينات ، ولكنهم يتبرّمون بدعوة الحق . ولا شك أن العبارات القرآنية - لا تدل على المعاني المقصودة فقط . بل وضعت بالألفاظ ومعانيها وأطيافها في بيان مصّور يسكن به الخيال والنفس ، كأنه واقع محسوس ، لا قصص متلو فقط . وبعد ذلك بيّن اللّه لنوح عليه السلام ، أنهم لا يؤمنون ، ولم يبق إلّا إنزال العقاب بهم . ولنتأمل صورة العقاب . . نراه قصصا مجردا ، ولكنه مشهد واضح بيّن يصل إلى درجة المرئى للقارئ المتنبه . اقرأ قوله تعالى :
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ، فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ . وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ، وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ . .
[ الآيات 36 - 48 من سورة هود ] ذلك هو بعض قصص نوح عليه السلام من وقت أن يئس من إيمانهم ، وأخبره ربه العليم الحكيم - أنه بلّغ الحجة ، وحقق الرسالة ، وأنه لن يؤمن أحد من قومه لم يكن قد آمن ، وأن العقاب نازل لا محالة .