تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وبذلك كان للمنهج الإسلامي في التربية فضل السبق على " لوثر " الذي نادى بأن تكون التربية العملية والعمل في إحدى المهن إلى جانب التربية النظرية ، ورأى أن يرسل الفتيان إلى المدرسة ساعة أو ساعتين في اليوم ، وأن يعلموا مهنة في البيت فيما تبقى من الوقت 162 وعلى " كومنيوس " الذي أطلق عليه بعضهم لقب المبشر الأول بالتربية الحديثة ، وامتازت طريقته بالعناية بالتمرينات العملية ، ورأى أن لا يكرر الدرس ويعاد على نحو آلي حتى يحفظ عن ظهر قلب ، بل أن يعتاد الطالب العمل المثمر والجهد الشخصي ؛ وقد قال في هذا المعنى : ( إن أصحاب الحرف يعرفون هذه الحقيقة تمام المعرفة ، فليس بينهم من يقدم للمبتدئ دروسا نظرية عن مهنته ، بل تراهم يدعونه يتأمل ما يفعله المعلم ، ثم يضعون الآلات بين يديه ، ويعلمونه استخدامها . وبطرق الحديد يصبح المرء حدادا ) ( 162 ) كما كان له هذا الفضل على " لوك " المربي الإنكليزي الذي أراد أن يعلم تلميذه مهنة من المهن كالنجارة أو الزراعة ليهيء عن طريق هذا العمل الجسدي سلوى للفكر وفرصة للراحة والاسترخاء ، ويقدم للجسد تمرينا مفيدا ، ووجه عام 1697 تقريرا إلى الحكومة الإنكليزية دعا فيه إلى تنظيم بيوتات العمل للأطفال أو الفقراء الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة والرابعة عشر ، حيث يعملون ويقدم لهم الغذاء ( 162 ) . وعلى " روسو " الذي قال في القرن الثامن عشر : إني لا أمل تكرار تلك الحقيقة ، وهي : إن جميع دروس الأطفال يجب أن تكون بطريق العمل لا بطريق الألفاظ ، لا تعلمهم شيئا من الكتب يمكن أن يتعلموه بطريق الخبرة 163 . وعلى " فروبل " الذي قال في القرن التاسع عشر : ( إن الوقت قد حان لأن نرفع أي عمل إلى منزلة النشاط الحر ، أي نجعله عملا يدل على الذكاء . وبذلك يصبح للعمل الإنشائي في المدرسة غرض أعظم وأعمق من مجرد التدريب الحسي أو نمو المهارة أو التمرين الجسمي أو التلقين بطريقة آلية أو اكتساب المهنة أو الحرفة ، بل يصبح أبرز صورة للتعبير عن الأفكار ، وأوضح طريقة لتكوين العادات أو تشكيل الأخلاق ) ( 163 ) وحين يكرر الإنسان الأعمال التي تعلمها مرات عديدة تصبح عادة متأصلة في نفسه . والإنسان يخضع لعادات كثيرة في حياته ، يقوم بها تلقائيا دون أن يعيرها كبير انتباه . ولذلك يحرص المربون على تكوين العادات الحسنة وترك العادات السيئة ولقد نظم الإسلام حياة الناس تنظيما شاملا ، سواء في شعائرهم التعبدية أو في شؤونهم اليومية ، فجعلهم يعتادون البدء بالجانب الأيمن من أعضائهم في كل أمر حسن
منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 239 | عمر أحمد عمر