تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
متغيرة من عصر إلى آخر ، فالحق لا يصبح باطلا ، والفضيلة لا تنقلب رذيلة . وفطرة الإنسان وخصائصه الأساسية لم تتغير منذ أن وجد في الأرض . وما نشاهده من اختلاف بين القيم الخلقية عند الأمم المختلفة أو في العصور المتعاقبة ، يرجع إلى اختلاف الناس في معتقداتهم وفي النظم التي يحتكمون إليها . وليس كل ما تعارفه الناس في أي عصر أو مصر يكون حقا في ميزان العدل الإلهي . أما الجماعات التي تقوم على أساس الإسلام ، فإن الأخلاق التي ترتضيها وتربي أبناءها عليها ، لا تتبدل من عصر إلى آخر ، ولا تختلف بين شعب وغيره ؛ لأنها تستمد مبادئها الخلقية ونظام حياتها من الحق الأزلي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وهذا لا يدل على جمود المجتمع ، ولا يمنع من الرقي والتقدم ، ففي هذا الدين ما يؤدي إلى تقدم المجتمع الذي يحسن العمل به ، وما يدفع إلى رقي الأمة التي تقوم على أساسه . ولكن هذا الرقي والتقدم يكونان ضمن إطار من التعاليم التي تمنع الزيغ والضلال ، وتوجه طاقات الإنسان نحو ما يفيده ، ويرفع من شأنه . ولقد جعل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الدعوة إلى مكارم الأخلاق هدفا أسهم كل الرسل في تحقيقه فقال : « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » 420 . وهذا يدل على اتفاق الرسل على القيم الخلقية رغم اختلاف الأمم التي أرسلوا إليها واختلاف العصور التي بعثوا فيها . وليس أدل على مكانة ذي الخلق القويم من جعله محبوبا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قريبا من مجلسه يوم القيامة : إن من أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون 421 والمتفيهقون . قالوا يا رسول اللّه ! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون ، فما المتفيهقون ؟ قال : المستكبرون » 422 . أما ذو الخلق السيء فهو شر الناس . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره 423 » ولا بد من أن يكون المربي والداعية إلى الإصلاح حسن الخلق حتى يحبه الناس ويستجيبوا له . قال اللّه تعالى مخاطبا رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
« فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ 424
» . ولهذا كان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أحسن الناس خلقا ، وقد أثنى اللّه عليه بقوله :
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » .
425 ومن واجب كل المربين وكل الناس أن يقتدوا به ، ليحققوا أهداف التربية
منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 130 | عمر أحمد عمر