تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 663

مساهمون:

ص٦٦٣

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 17 إلى 18 ]

وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ( 18 ) الشرح :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى :
سؤال تقرير ، والحكمة فيه تنبيهه وتوقيفه على أنها عصا ، حتى إذا قلبها حية علم : أنها معجزة ، وإلا فقد علم اللّه في الأزل ما هي ؟
قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
أي : أعتمد عليها في المشي ، والوقوف .
وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي
أي : أخبط بها ورق الشجر ليسقط . فيسهل على غنمي تناوله ، فتأكله . قال الراجز : [ الرجز ]
أهشّ بالعصا على أغنامي * من ناعم الأراك والبشام
هذا ؛ وقرئ ( أهشّ ) بكسر الهاء وضمها ، كما قرئ ( أهسّ ) بالسين ، والهس : زجر الغنم . هذا ؛ وأما هش ، يهش بفتح الهاء ، وكسرها في المضارع ، فهو بمعنى : السرور ، والبشاشة .
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
أي : حوائج كثيرة ، واحدها : مأربة ، بتثليث الراء وانظر الآية رقم [ 31 ] من سورة ( النور ) ، ووصفها ب :
أُخْرى
بلفظ المفرد ؛ لأن
مَآرِبُ
في معنى الجمع لغير العاقل ، وما كان من هذا فإنه يعامل معاملة الواحدة المؤنثة ، كقوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها
وكقوله تعالى :
يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ .
تنبيه : تعرض كثيرون لتعديد منافع العصا منهم ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ، فقال : إذا انتهيت إلى رأس بئر ، فقصر الرّشا ؛ وصلته بالعصا . وإذا أصابني حر الشمس ؛ غرزتها في الأرض ، وألقيت عليها ما يظلني . وإذا خفت شيئا من هوام الأرض ؛ قتلته بها . وإذا مشيت ؛ ألقيتها على عاتقي ، وعلقت عليها القوس ، والكنانة ، والمخلاة ، وأقاتل بها السباع عن الغنم . وقال البيضاوي : وكأنه عليه الصلاة والسّلام فهم : أن المقصود من السؤال أن يتذكر حقيقتها ، وما يرى من منافعها ، حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة ، ووجد منها خصائص خارقة للعادة ، مثل أن يشتعل شعبتاها بالليل كالشمع ، وتصيران دلوا عند الاستقاء ، وتطول بطول البئر . وتحارب عنه إذا ظهر عدو ، وينبع الماء بركزها ، وينضب بنزعها ، وتورق ، وتثمر إذا اشتهى ثمرة ، فركزها ؛ علم : أن ذلك آيات باهرة ، ومعجزات قاهرة ، أحدثها اللّه فيها لأجله ، وليست من خواصها ، فذكر حقيقتها ، ومنافعها مفصلا ومجملا ، على معنى : أنها من جنس العصي تنفع منافع أمثالها ، ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه . هذا ؛ ومن فوائد العصا : أن الرجل إذا كبر يعتمد عليها في مشيه . قال عمرو بن أحمد الباهلي : [ البسيط ]
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني * ثوبي فأنهض نهض الشّارب السّكر
وكنت أمشي على رجلين معتدلا * فصرت أمشي على أخرى من الشّجر