تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 36 ]

وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 36 ) الشرح :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا
أي : كما بعثنا فيكم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم رسولا .
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
أي : تأمرهم الرسل بعبادة اللّه ، واجتناب عبادة الأصنام ، والأوثان .
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ :
وفقه للإيمان .
وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
أي : ومن الأمم من وجبت عليه الضلالة بالقضاء السابق في الأزل حتى مات على الكفر والضلال ، وفي هذه الآية أبين دليل على أن الهادي والمضل هو اللّه تعالى ؛ لأنه المتصرف في عباده ، فيهدي من يشاء ، ويضل من يشاء ، لا اعتراض لأحد عليه بما حكم به في سابق علمه . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 27 ] من سورة ( الرعد ) تجد ما يسرك .
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ :
يا معشر قريش .
فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
أي : فسيروا في الأرض معتبرين متفكرين ؛ لتعرفوا مآل من كذب الرسل ، وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك ، ولتعرفوا : أن الهلاك نازل بكم إن أصررتم على الكفر ، والتكذيب كما نزل بهم . بعد هذا ف : « أمّة » بمعنى : جماعة ، تكون واحدا إذا كان يقتدى به ، كقوله تعالى :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ
وانظر الآية رقم [ 120 ] الآتية و « الأمة » الطريقة ، والملة ، والدين ، كقوله تعالى حكاية عن قول المشركين :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ *
وكل جنس من الحيوان أمة ، كقوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
و « الأمة » : الحين ، والوقت ، كقوله تعالى :
وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ
أي : بعد وقت وحين .
اعْبُدُوا :
العبادة هي غاية التذلل ، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال ، وهو اللّه تعالى ، ولذا يحرم السجود لغير اللّه تعالى . وقيل : العبودية أربعة : الوفاء بالعهود ، والرضا بالموجود ، والحفظ للحدود ، والصبر على المفقود . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : يقول اللّه تعالى : « أنا والإنس والجنّ في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري » .
الطَّاغُوتَ :
هو الأصنام ، أو الشيطان ، أو الكاهن ، أو كل من دعا إلى الضلال ، وصدّ عن عبادة اللّه تعالى ، مثل : كعب بن الأشرف اليهودي المنوّه به في الآية رقم [ 60 ] من سورة ( النساء ) وهو يطلق على المفرد ، والمثنى ، والجمع ، والمذكر ، والمؤنث ، وقد يجمع على : طواغيت ، واشتقاقه من : طغى ، يطغى ، أو من : طغا ، يطغو ، وقد طلب اللّه في غير ما آية الكفر بالطاغوت ، وهو : عدم الرضا به .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 184 | الشيخ محمد علي طه الدرة