تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
أي : أيقنوا أن اللّه شديد الانتقام ممن عصاه ، وممن رضي بالمعصية ، وسكت ، ولم ينكرها بما يقدر ، ويغيرها بيده أو بلسانه ، فعن عدي بن عميرة الكندي ، قال : حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن اللّه لا يعذب العامّة بعمل الخاصّة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذّب اللّه العامة والخاصّة » . رواه البغوي ، والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي المذكور : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها ، كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها ، كان كمن شهدها » . أخرجه أبو داود ، والأحاديث في ذلك كثيرة . الإعراب :
وَاتَّقُوا
: أمر مبني على حذف النون ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ،
فِتْنَةً
: مفعول به ، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محل لها أيضا .
لا تُصِيبَنَّ
: لا : نافية .
تُصِيبَنَّ
: مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة التي هي حرف لا محل له ، وهو في محل جزم في جواب الأمر ، وهو في الحقيقة مجزوم بشرط مقدر عند البصريين كما يلي : ( إن تتقوا فتنة لا تصيبن ) وعند الكوفيين كما يلي : ( واتقوا فتنة إن أصابتكم لا تصيبن ) ، وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة ، لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه ، كقوله تعالى حكاية عن قول النملة لجماعتها :
ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ
هذا وجه لإعراب هذه الجملة ، والوجه الثاني أن الجملة في محل نصب صفة
فِتْنَةً ،
و
لا
للنفي ، وفيه شذوذ ؛ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم ، أو هي ( لا ) الناهية ، ولا يصح إلا على تقدير القول كقول الشاعر : [ الرجز ]
حتّى إذا جنّ الظلام واختلط * جاؤوا بمذق ، هل رأيت الذّئب قط ؟
التقدير في الآية الكريمة : اتقوا فتنة مقولا فيها :
لا تُصِيبَنَّ ،
وفي البيت : بمذق مقول فيه : هل رأيت . . . إلخ ، فالقول المقدر وقع صفة ل
فِتْنَةً ،
ولمذق كما ترى ، والوجه الثالث : أن الجملة جواب لقسم مقدر ، التقدير : واللّه لا تصيبن ، ويؤيده قراءة من قرأ : ( لتصيبنّ ) بلا ألف ، قال المهدوي : يجوز أن تكون اللام مقصورة من ( لا ) حذفت الألف كما حذفت من ( ما ) وهي أخت ( لا ) في نحو : أم واللّه لأفعلنّ ، وشبهه ، ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة ، فيكون المعنى : أنها تصيب الظالم خاصة ، أقول : وهذا المعنى غير مراد من الآية كما رأيت فيما سبق ، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له ، وقيل : صفة ل
فِتْنَةً ،
فيقع المحذور السابق الذي من أجله قدر مقول محذوف لأن القسم إنشاء ، وعلى جميع الوجوه المتقدمة فالفاعل مستتر تقديره هي يعود إلى
فِتْنَةً
.
الَّذِينَ
: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به .
ظَلَمُوا
: فعل وفاعل ، والألف للتفريق ، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها .
مِنْكُمْ
: متعلقان بمحذوف حال من واو الجماعة .
خَاصَّةً
: صفة
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 34 | الشيخ محمد علي طه الدرة