تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
أيديهم اليمنى ، وأرجلهم اليسرى . والنّفي : هو الإبعاد من بلد إلى آخر ، بحيث لا يمكّنون من القرار في موضع ، والمقصود من ذلك الإيحاش ، والبعد عن الأهل ، والوطن ، فإذا عيّن الحاكم المسلم جهة ؛ فليس للمنفي طلب غيرها ، وفسّره أبو حنيفة ، ومالك بالحبس ، فينفى من سعة الدّنيا إلى ضيقها ، فصار كأنّه إذا سجن ؛ فقد نفي من الأرض إلّا من موضع استقراره ، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك : [ الطويل ]
خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها * فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة * عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا
حكى مكحول - رحمه اللّه تعالى - : أنّ عمر - رضي اللّه عنه - أوّل من حبس في السّجون ، وقال : أحبسه ؛ حتى أعلم منه التّوبة ، ولا أنفيه من بلد إلى بلد ، فيؤذيهم . والظاهر : أنّ الأرض في الآية هي أرض النّازلة ، وقد تجنّب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذّنوب ، ومنه حديث الذي قتل تسعا وتسعين .
أَوْ :
في الآية الكريمة للتقسيم ، والتنويع ، والترتيب ، وقيل : إنّها للتّخيير ، فالإمام مخيّر بين هذه الأمور ، والمعتمد الأوّل .
ذلِكَ
أي : الجزاء المذكور بأنواعه .
لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا :
لهم ذلّ ، وهوان ، وفضيحة ، ونكال في هذه الحياة الدنيا مع ما ادّخر اللّه لهم من العذاب الأليم في الآخرة ، وهذا يؤيد قول من قال : إنّها نزلت في المشركين ، فأمّا أهل الإسلام ؛ ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت - رضي اللّه عنه - قال : « أخذ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما أخذ على النّساء : ألّا نشرك باللّه شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل ، ولا يعضه بعضنا بعضا - يرمي غيره بالإفك ، والكذب ، والبهتان - قال : فمن وفى منكم ؛ فأجره على اللّه تعالى ، ومن أصاب من ذلك شيئا ، فعوقب ؛ فهو كفّارة له ، ومن ستره اللّه ؛ فأمره إلى اللّه إن شاء عذّبه ، وإن شاء عفا عنه » . وعن عليّ - كرّم اللّه وجهه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أصاب في الدّنيا ذنبا ، فعوقب به ؛ فاللّه أعدل من أن يثنّي عقوبته على عبده ، ومن أذنب ذنبا في الدّنيا ، فستره اللّه عليه ؛ فاللّه أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه » . رواه أحمد ، والترمذي ، وابن ماجة برقم [ 2604 ] . وقال ابن جرير :
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
أي : إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا ، فلهم في الآخرة مع الجزاء الّذي جازيتهم به في الدنيا ، والعقوبة التي فرضتها عليهم عذاب عظيم في الآخرة . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . تنبيه : نزلت الآية الكريمة في ثمانية أشخاص من قبيلتي عكل ، وعرينة ، قدموا المدينة المنورة ، وأظهروا الإسلام نفاقا ، فأقاموا فيها أياما ، فمرضوا ؛ لأنّ المدينة لا تقبل من كان في