تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
ولا يجوز عطفه على محلّ
إِنَّ
واسمها ، فإنّه مشروط بالفراغ من الخبر ؛ إذ لو عطف عليه قبله كان الخبر خبر المبتدأ ، وخبر :
إِنَّ
معا ، فيجتمع عليه عاملان . ولا على الضّمير في :
هادُوا
وهو قول الكسائي ، والأخفش . قال النّحاس : سمعت الزجّاج يقول ، وقد ذكر له قول الأخفش ، والكسائي ، هذا خطأ من جهتين : إحداهما : أنّ المضمر المرفوع يقبح العطف عليه ؛ حتّى يؤكّد . والجهة الأخرى : أنّ المعطوف شريك المعطوف عليه في الحكم . فيصير المعنى : إنّ الصابئين قد دخلوا في اليهودية . وهذا محال . وقيل : ( إنّ ) بمعنى « نعم » ، وما بعدها في محل رفع بالابتداء ، و ( الصابئون ) معطوف عليه ، أو هو مبتدأ ، وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه ، فالعطف يكون على هذا بعد تمام الكلام ، وانقضاء الاسم ، والخبر . وخذ قول قيس الرقيات - وهو الشاهد رقم [ 51 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » ، والشاهد رقم [ 523 ] من كتابنا : « فتح رب البريّة » : [ مجزوء الكامل ]
بكر العواذل في الصّبو * ح يلمنني وألومهنّه
ويقلن شيب قد علا * ك وقد كبرت فقلت إنّه
وقيل : ( الصابئون ) معطوف على اسم :
إِنَّ
وهو منصوب ، وجاء بالواو على لغة بلحارث الّذين يجعلون المثنّى بالألف على كلّ حال ، وجمع المذكر السالم بالواو على كلّ حال . وقيل : منصوب بالفتحة الظاهرة ، وقد أجاز أبو علي الفارسي نصب جمع المذكر السالم بالفتحة ، وهو بالياء والنون ، وأجاز غيره وهو بالواو والنون ، والقياس لا يدفعه . انتهى بيضاوي ، وعكبري بتصرّف . وذكر مكيّ بن أبي طالب القيسي ما يشبهه . هذا ؛ وقال سليمان الجمل رحمه اللّه تعالى تبعا للجلال : خبر
إِنَّ
هذه محذوف ، تقديره : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون دلّ عليه المذكور ، وقوله :
وَالَّذِينَ هادُوا
مبتدأ فالواو لعطف الجمل ، أو للاستئناف ، وقوله :
وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى
عطف على هذا المبتدأ ، وقوله :
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ . . .
إلخ خبر عن هذه المبتدءات الثلاثة . وقوله :
مَنْ آمَنَ . . .
إلخ : بدل من كلّ منها بدل بعض ، فهو مخصّص ، فكأنّه قال : الذين آمنوا من اليهود ، ومن النصارى ، ومن الصّابئين لا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون ، فالإخبار عن اليهود ، ومن بعدهم بما ذكر بشرط الإيمان ، لا مطلقا . هذا حاصل ما درج عليه الشّارح في الإعراب ، وفي المقام وجوه تسعة أخرى ذكرها السّمين ، وما مشى عليه الجلال أوضح وأظهر من كلّ منها . تأمّل . انتهى بحروفه . هذا وأقول : إنّ ابن هشام - طيّب اللّه ثراه - ذكر : أنّ الفرّاء ، والكسائيّ اعتبرا : ( الصابئون ) معطوفا على محل ( الذين ) ولذا قال : وأجيب ، أي : من طرف البصريين بأمرين : أحدهما : أنّ خبر
إِنَّ
محذوف ، أي : مأجورون ، أو آمنون ، أو فرحون . و ( الصّابئون ) : مبتدأ ، وما بعده الخبر ، ويشهد له قول الشاعر - وهو الشاهد [ 857 ] من كتابنا : « فتح القريب المجيب » - : [ الطويل ]
خليليّ هل طبّ فإنّي وأنتما * - وإن لم تبوحا - بالهوى دنفان