تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
والرّبا ، وغير ذلك من أنواع الحرام ، وهو من : سحته : إذا استأصله ، والسّحت في اللغة أصله : الهلاك ، والشدّة ، قال تعالى في سورة ( طه ) حكاية عن قول موسى لقوم فرعون :
وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ . . .
إلخ ، وقال الفرزدق في مدح عبد الملك : [ الطويل ]
وعضّ زمان يا بن مروان لم يدع * من المال إلّا مسحتا أو مجلّف
وسمّي المال الحرام : سحتا ؛ لأنّه يسحت الطّاعات ، أي : يذهب بركتها ، ويستأصلها ، ولأنّه يسحت مروءة الإنسان ، وكرامته ، وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلّ لحم نبت من السّحت فالنّار أولى به » . أخرجه الطّبراني في الصّغير عن عبد اللّه بن عبّاس - رضي اللّه عنهما - . والسّحت : الرّشوة ، فعن ثوبان - رضي اللّه عنه - قال : « لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : الرّاشي ، والمرتشي ، والرّائش » . يعني : الذي يمشي بينهما . رواه أحمد ، والطّبرانيّ . وروي عن وهب بن منبه : أنّه قيل له : الرّشوة حرام في كل شيء ؟ قال : لا ، إنّما يكره من الرّشوة أن ترشي لتعطى ما ليس لك ، أو تدفع حقّا قد لزمك ، فأمّا أن ترشي لتدفع عن دينك ، ودمك ، ومالك ؛ فليس بحرام . انتهى . أقول : وكذلك إن دفعت الرّشوة لتصل إلى حقّك ، فعند ذلك تقتصر اللّعنة على الّذي يماطل في الحقّ ؛ حتى يأخذ الرّشوة ؛ مثلا كالموظف الّذي لا يؤدّي واجبه إلا بالرّشوة . لذا فقد نزلت الآية الكريمة في حكّام اليهود ، مثل : كعب بن الأشرف ، وأمثاله ، كانوا يرتشون ، ويقضون لمن رشاهم . قال الحسن البصريّ - رحمه اللّه تعالى - : كان الحاكم منهم إذا أتاه أحدهم برشوة ؛ جعلها في كمّه ، ثمّ يريه إيّاها ، ويتكلّم بحاجته ، فيسمع منه ، ولا ينظر إلى خصمه ، فيسمع الكذب ، ويأكل الرّشوة ، وهي السّحت . قال ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : الرّشوة في كل شيء ، فمن شفع شفاعة ليردّ بها حقّا ، أو يدفع بها ظلما ، فأهدى بها إليه هدية ، فقبلها ؛ فهو سحت . فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم ، فقال الأخذ على الحكم كفر ، قال اللّه تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ .
هذا ؛ والسّحت يقرأ بضم السّين ، وسكون الحاء ، وبضمهما ، وقرئ بفتح السّين مع سكون الحاء .
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
خيّر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحكم بينهم ، فإن شاء حكم ، وإن شاء ترك . قال الحسن ، ومجاهد ، والسّدّيّ : نزلت في اليهوديين اللذين زنيا . وقال قتادة : نزلت في رجلين من قريظة ، والنضير ، قتل أحدهما الاخر . قال ابن زيد - رحمه اللّه تعالى - : كان حيي بن أخطب قد جعل للنّضيريّ ، وللقرظيّ دية واحدة ؛ لأنّه كان من النضير ، فقالت قريظة : لا نرضى بحكم حيي ، ونتحاكم إلى محمّد ، فأنزل اللّه هذه الآية يخير فيها نبيّه