وقيل : يحتمل أن يكون المراد بأهل الكتاب : اليهود ، والنصارى جميعا ، فإنّهم غلوا في أمر عيسى ، على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام . فأمّا اليهود ؛ فإنّهم بالغوا في التقصير في حرمته ؛ حتّى حطّوه عن منزلته ؛ حيث جعلوه مولودا من الزنى . وغلت النّصارى في رفعه عن منزلته ، ومكانته ؛ حيث جعلوه ممّا وصفته ، فقال اللّه تعالى ردّا عليهم جميعا :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ .
وأصل « الغلو » مجاوزة الحد ، وهو في الدّين حرام . والمعنى : لا تفرّطوا في أمر عيسى ، ولا تحطّوه عن منزلته ، ولا ترفعوه فوق قدره ، ومنزلته ، فالإفراط ، والتقصير كلّه سيئة ، وكفر ، ولذلك قال مطرف بن عبد اللّه - رحمه اللّه تعالى - : الحسنة بين سيئتين ، وقال الشاعر : [ الطويل ]
وأوف ولا تستوف حقّك كلّه * وصافح فلم يستوف قطّ كريم
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم
وقال آخر : [ الطويل ]
عليك بأوساط الأمور فإنّها * نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تطروني كما أطرت النّصارى عيسى ، وقولوا : عبد اللّه ، ورسوله » .
أخرجه البخاريّ عن عمر - رضي اللّه عنه - . وانظر الآية رقم [ 77 ] من - سورة ( المائدة ) فإنّه جيد ، والحمد للّه ! .
وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
أي : لا تقولوا : إن للّه شريكا ، أو ابنا . ولمّا منعهم اللّه من الغلوّ في دينهم ؛ أرشدهم إلى طريق الحق في أمر عيسى ، عليه السّلام ، فقال جلّ ذكره :
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
المعنى : إنّ المسيح هو عيسى ابن مريم ، ليس له نسب غير هذا ، وهو رسول اللّه ، فمن زعم غير هذا ؛ فقد كفر ، وأشرك .
وَكَلِمَتُهُ
هي قوله تعالى :
كُنْ ، *
فكان بشرا من غير أب ، ولا واسطة .
أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
أي : أوصلها إلى مريم .
وَرُوحٌ مِنْهُ
أي : كسائر الأرواح التي خلقها اللّه تعالى ، وإنّما أضافه إلى نفسه على سبيل التشريف ، والتكريم ، كما يقال : بيت اللّه ، وناقة اللّه ، وهذه نعمة من اللّه . وقيل : الرّوح هو الذي نفخ فيه جبريل عليه السّلام في جيب درع مريم ، فحملت منه بإذن اللّه ، وكان ذلك النفخ بمنزلة اللّقاح بين الذّكر ، والأنثى . وانظر ما ذكرته عن الواقدي في الآية رقم [ 45 ] من سورة ( آل عمران ) فإنّه جيد ، والحمد للّه ! وفيها شرح
الْمَسِيحُ
أيضا .
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
أي : فصدقوا يا أهل الكتاب بوحدانية اللّه ، وأنّه لا ولد له ، وصدقوا رسله فيما جاؤوكم به من عند اللّه ، وصدّقوا بأنّ عيسى من رسل اللّه ، فآمنوا به ، ولا تجعلوه إلها .
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
أي : ولا تقولوا : إنّ الآلهة ثلاثة . وذلك : أنّ النصارى يقولون : أب ،