إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً
يعني : فرضا مؤقتا ، والكتاب : هنا بمعنى المكتوب ؛ يعني : مكتوبة مؤقّتة في أوقات محدودة ، فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أيّ حال من خوف ، أو أمن . وقيل : معناه : فرضا واجبا مقدّرا في الحضر أربع ركعات ، وفي السفر ركعتين .
وقال البيضاوي - رحمه اللّه تعالى - : وفي الآية دليل على أنّ المراد بالذكر : الصلاة ، وأنّها واجبة الأداء حال المسايفة ، والاضطراب في المعركة ، وتعليل للأمر بالإتيان بها كيفما أمكن .
وقال أبو حنيفة - رحمه اللّه تعالى - : لا يصلّي المحارب حتى يطمئنّ . انتهى . هذا ؛ وذكرت لك في الآية السابقة : أنّ الأوضاع قد تغيّرت ، والأحوال قد انقلبت رأسا على عقب .
هذا ؛
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
أمر معناه الوجوب ، وأصله : « أقوموا » فقل في إعلاله : اجتمع معنا حرف صحيح ساكن ، وحرف علّة متحرك ، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة ، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها ، فصار : « أقوموا » ثمّ قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها .
ومعنى : ( أقيموا
الصَّلاةَ
) : أدّوها في أوقاتها ، وحافظوا على طهارتها ، وأتمّوا لها ركوعها ، وسجودها ، وخشوعها ، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل يقال عنه : صلّى ، ولا يقال : أقام الصلاة .
وهذا ؛ والصّلاة في اللّغة : الدعاء ، والتّضرّع ، وهي في الشرع : أقوال ، وأفعال مخصوصة ، مبتدأة بالتكبير ، مختتمة بالتسليم ، ولها شروط ، وأركان ، ومبطلات ، ومندوبات ، ومكروهات مذكورة في الفقه الإسلامي . هذا ؛ وقد بيّن اللّه تعالى : أنّ أجود ما يستعان به على تحمّل المتاعب ، والمصاعب الصّبر ، والصلاة . قال تعالى في سورة ( البقرة ) رقم [ 153 ] :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ .
وكان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر ؛ فزع إلى الصلاة .
هذا ؛ والصّلاة من العبد معناها : التضرّع ، والدّعاء ، ومن الملائكة على العبد معناها :
الاستغفار ، وطلب الرّحمة له ، ومن اللّه على عباده معناها : الرحمة ، والمغفرة ، وإنزال البركات ، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى في سورة ( الأحزاب ) رقم [ 56 ] :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً .
تنبيه : قال الشيخ أبو منصور - رحمه اللّه تعالى - : « القضاء » يحتمل الحكم ، كقوله تعالى :
لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا
أي : ليحكم ما قد علم أنّه يكون كائنا ، أو ليتم أمرا كان قد أراده ، وما أراد كونه ، فهو مفعول لا محالة . انتهى .
هذا ؛ والماضي : قضى ، والمصدر : قضاء بالمد ؛ لأنّ لام الفعل ياء ؛ إذ أصل ماضيه :
« قضي » بفتح الياء ، فقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ومصدره : « قضيا » فأبدلت الثانية همزة ، فصار « قضاء » ممدودا ، وجمع القضاء : أقضية . كعطاء ، وأعطية ، وهو في الأصل :