تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
فَأَعْرِضْ :
الفاء : حرف عطف على رأي من يجيز عطف الإنشاء على الخبر ، وابن هشام يعتبرها للسببية المحضة ، وأراها الفصيحة ؛ لأنّها تفصح عن شرط مقدر ؛ أي : فإذا كان هذا حالهم ، وشأنهم ؛ فأعرض . ( أعرض ) : فعل أمر ، وفاعله مستتر تقديره : أنت .
عَنْهُمْ :
جار ومجرور متعلقان بما قبلهما ، والجملة الفعلية لا محلّ لها ؛ لأنّها جواب للشرط المقدّر ب « إذا » والتي بعدها معطوفة عليها .
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا :
انظر إعراب مثلها في الآية رقم [ 70 ] وهي مستأنفة لا محلّ لها .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 82 ]

أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) الشرح :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ :
أي : يتفهّمونه ، فيعلمون : أنّه من عند اللّه ، ويعلمون ما أعدّ اللّه للّذين لم يتولّوا عن الإسلام من الخير الكثير ، والفضل العميم . أو المعنى : يتفكرون في مواعظه ، وزواجره . وتدبّر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب ، وجمع الهمّ وقت تلاوته ، ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصّرف . والتدبير : أن يدبر الإنسان أمره ، كأنّه ينظر إلى ما تصير إليه عاقبته . ودلّت هذه الآية ، وقوله تعالى في سورة ( محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ) :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
على وجوب التّدبّر في القرآن ؛ ليعرف معناه ، وكان في هذا ردّ على فساد قول من قال : لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنع أن يتأوّل على ما يسوغه لسان العرب ، وهذا قول الروافض ، وقول من يجري مجراهم ، ويتّبع هواهم .
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ . . .
إلخ ؛ أي : لو كان القرآن من كلام البشر ، كما يزعم الكفار ؛
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً :
تناقضا في معانيه ، وتباينا في نظمه ، وكان بعضه فصيحا ، وبعضه ركيكا ، وبعضه تصعب معارضته ، وبعضه تسهل ، ومطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض ، وموافقة الفعل لبعض أحكامه دون بعض ؛ لنقصان القوّة البشرية عن الكمال . قال العلماء : إنّ اللّه - عزّ وجلّ - احتجّ بالقرآن ، والتدبّر فيه على صحّة نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، والحجّة في ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها : فصاحته التي عجز الخلائق عن الإتيان بمثلها في أسلوبه . الثاني : إخباره عن الغيوب ، وهو ما يطلع اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أحوال المنافقين ، وما يخفونه من مكرهم ، وكيدهم ، فيفضحهم بذلك ، لا يعلمها إلا اللّه تعالى . الثالث : سلامته من الاختلاف ، والتناقض . هذا ؛ ولا يدخل في هذا اختلاف ألفاظ القراءات ، وألفاظ الأمثال ، والدّلالات ، ومقادير السّور ، والآيات ، وإنّما أراد اختلاف التناقض ، والتّفاوت ، لذا أنزل اللّه - عزّ وجل - القرآن ، وأمرهم بتدبّره ؛ لأنّهم لا يجدون فيه اختلافا في وصف ، ولا ردّا له في معنى ، ولا تناقضا ، ولا كذبا فيما يخبرون به من الغيوب ، وما يسرّون .