تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
استعارة للمعقول بالمحسوس ، حيث استعار ما اشتبك ، وتضايق من الشّجر للتّنازع الّذي يدخل به بعض الكلام في بعض ، قال طرفة في مدح قومه : [ الرمل ]
وهم الحكّام أرباب الهدى * وسعاة النّاس في الأمر الشّجر
ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً
أي : في صدورهم ضيقا ، وشكّا . قال تعالى في سورة ( الأنعام ) رقم [ 125 ] :
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ .
مِمَّا قَضَيْتَ
أي : حكمت .
وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
أي : ويسلّموا لحكمك تسليما ، لا شكّ فيه ، ولا اعتراض فيه بالظاهر ، ولا بالباطن . هذا ؛ و « ثمّ » : حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور : التشريك في الحكم ، والترتيب ، والمهلة ، وفي كلّ منها خلاف مذكور في « مغني اللبيب » ، وقد تلحقها تاء التأنيث السّاكنة ، كما تلحق « ربّ » و « لا » العاملة عمل « ليس » فيقال : ثمّت ، وربّت ، ولات ، والأكثر تحريك التاء معهنّ بالفتح . هذا ؛ و « ثمّ » هذه غير « ثمّ » بفتح الثاء ، فإنّها اسم يشار به إلى المكان البعيد ، كما في قوله تعالى في سورة ( الشّعراء ) رقم [ 64 ] :
وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ
وقوله تعالى في سورة ( البقرة ) رقم [ 115 ] :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ .
وهذه ظرف لا يتصرّف ، ولا يتقدّمه حرف التنبيه ، ولا يتصل به كاف الخطاب ، وقد تتصل به التاء المربوطة ، فيقال : ثمّة . وثمّ : تعطف المفرد ، والجملة ، فإن اتصلت بها التاء ؛ اختصت بعطف الجمل . تنبيه : نزلت الآية الكريمة في الزّبير بن العوّام - رضي اللّه عنه - ورجل من الأنصار ، يقال له : حاطب بن أبي بلتعة ، فعن عروة بن الزّبير - رضي اللّه عنهما - عن أبيه : أنّ رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرّة ( مسايل الماء التي تكون من الجبل ) التي يسقون بها النّخل ، فقال الأنصاري : سرّح الماء يمرّ . فأبى عليه ، فاختصما إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للزّبير : « اسق يا زبير ! ثمّ أرسل إلى جارك » فغضب الأنصاري ، فقال : يا رسول اللّه ! آن كان ابن عمّتك ؟ ! فتلوّن وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثمّ قال للزبير : « اسق يا زبير ! ثمّ احبس الماء حتّى يرجع إلى الجدر » فقال الزّبير - رضي اللّه عنه - : أما إنّي لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ، وتلاها . متّفق عليه . زاد البخاري رحمه اللّه تعالى : فاستوعى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حينئذ للزّبير حقّه ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل ذلك قد أشار على الزّبير رأيا ، أي : أراد سعة له ، وللأنصاري ، فلمّا أحفظ الأنصاريّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ استوعى للزّبير حقّه في صريح الحكم ، وهو أنّ من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي ، فهو أولى بأوّل الوادي ، وحقّه تمام السّقي ، فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أذن للزبير في السّقي على وجه المسامحة ، فلما أبى خصمه ذلك ، ولم يعترف بما أشار به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المسامحة ؛ أمر الزبير باستيفاء حقّه على التّمام ، وحمل خصمه على مرّ الحقّ ، فعلى هذا تكون الآية مستأنفة ، لا تعلّق لها بما قبلها .