بعد هذا : انظر شرح
كَتَبْنا
ونحوه في الآية رقم [ 33 ] . أمّا ( النّفس ) فإنّها تجمع في القلّة : أنفس ، وفي الكثرة : نفوس . والنّفس تؤنث باعتبار الرّوح ، وتذكّر باعتبار الشّخص ، أي :
فإنّها تطلق على الذات أيضا ، سواء أكان ذكرا ، أم أنثى ، فعلى الأول قيل : هي جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرّطب ، فتكون سارية في جميع البدن ، قال الجنيد - رحمه اللّه تعالى - : الرّوح شيء استأثر اللّه بعلمه ، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنّه موجود . قال تعالى في سورة ( الإسراء ) رقم [ 85 ] :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا .
وقال بعضهم : إنّ هناك لطيفة ربّانيّة لا يعلمها إلا اللّه تعالى ، فمن حيث تفكّرها تسمّى عقلا ، ومن حيث الجسد بها تسمّى روحا ، ومن حيث شهوتها تسمّى نفسا ، فالثلاثة متّحدة بالذّات مختلفة بالاعتبار ، هذا ما تدلّ عليه الآثار الصحاح ، ومن الدليل على أنّ النفس هي الرّوح قوله تعالى في سورة ( الزمر ) رقم [ 42 ] :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
يعني : الأرواح ، وذلك بيّن في قول بلال - رضي اللّه عنه - للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث ابن شهاب : « أخذ بنفسي يا رسول اللّه الّذي أخذ بنفسك » وهذا كان في الوادي الّذي ناموا فيه عن صلاة الصّبح حتّى طلعت الشمس ، وهم قافلون من غزوة تبوك . والنّفس أيضا : الدّم ، يقال : سالت نفسه ، قال الشاعر : [ الطويل ]
تسيل على حدّ الظّبات نفوسنا * وليست على غير الظّبات تسيل
وقال إبراهيم النّخعي - رحمه اللّه تعالى - وهو المقرّر في الفقه : « ما ليس له نفس سائلة ، فإنّه لا ينجس الماء إذا مات فيه » . والنّفس أيضا : الجسد ، قال الشاعر : [ الكامل ]
نبّئت أنّ بني سحيم أدخلوا * أبياتهم تامور نفس المنذر
هذا ؛ وقد ذكر القرآن الكريم للنّفس خمس مراتب : الأمّارة بالسّوء ، واللّوامة ، والمطمئنة ، والراضية ، والمرضيّة ، ويزاد : الملهمة ، والكاملة . فالأمّارة بالسّوء : هي التي تأمر صاحبها بالسّوء ، ولا تأمر بالخير إلّا نادرا ، وهي مقهورة ، ومحكومة للشّهوات ، وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية ، وأذعنت لاتّباع الحق ، لكن بقي فيها ميل للشّهوات ؛ سمّيت : اللوّامة ، فإن سكن اضطرابها ، ولم يبق للنّفس الشّهوانية حكم أصلا ؛ سميت : مطمئنة ، فإن ترقّت من هذا ؛ وأسقطت المقامات من عينها ، وفنيت عن جميع مراداتها ؛ سمّيت : راضية ، فإن زاد هذا الحال عليها ، صارت مرضيّة عند الحق ، وعند الخلق ، فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم ، وتكميلهم ؛ سميت كاملة ، فالنّفس سبع طبقات ، ولها سبع درجات ، كما ذكرت ، وقدمت .
وأخيرا : خذ ما ذكره القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - ؛ فقال : وفي الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنّه قال : « ما تقولون في صاحب لكم ، إن أكرمتموه ، وأطعتموه ، وكسوتموه ؛ أفضى بكم إلى شرّ