تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
في سورة ( الأنعام ) :
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ . . .
إلخ . وقال - جلّ ذكره - في سورة ( الأحزاب ) :
فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ .
ومن ثمّ لحّنوا أبا فراس الحمداني بقوله : [ الطويل ]
أيا جارتا ما أنصف الدّهر بيننا * تعالي أقاسمك الهموم تعالي
وأقول : إنّ الفعلين ( هات ، وتعال ) ملازمان للأمريّة ، فلا يأتي منهما مضارع ، ولا ماض ، وهما بمعنى : ( أحضروا أو احضروا ) فالأول متعدّ ، والثاني لازم ، وهو من الثلاثي ، وأمّا تعالى ، يتعالى ، فهما بمعنى تعاظم ، يتعاظم ، أو بمعنى تنزّه ، يتنزّه . وقل في إعلال :
تَعالَوْا ،
أصله : تعالوا ، ثم تعاليوا ، فحذفت الضمة التي على الياء للثقل ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء ، وبقيت الواو ؛ لأنّها ضمير ، وبقيت الفتحة على اللام ؛ لتدلّ على الألف المحذوفة . أمّا الفعل :
يَصُدُّونَ
فهو بفتح الياء ، وضم الصاد ، ويقرأ بضم الياء ، وكسر الصاد ، وهما لغتان : صدّ ، وأصدّ ، مثل : صدّ ، وأصدّ : إذا أنتن ، وضمّ ، وأضمّ : إذا تغير ، وهو من صدّ ، يصدّ صدودا : إذا تنكب ، وليس فصيحا ؛ لأنّ في صدّه مندوحة عن تكلّف التعدية بالهمزة ، ويأتي الفعل بمعنى : يعرضون ، ويميلون ، كما في هذه الآية الكريمة . كما يأتي بمعنى : يضجون فرحا ، لكنه بكسر الصاد ، كما في قوله تعالى في سورة ( الزخرف ) :
* وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ،
ومصدر الأولين صدّ ، وصدود ، ومصدر الأخير : صديد . والصدّد : القرب ، يقال : داري صدد داره ، أي : قربها ، وقبالتها ، والصّدد : القصد ، تقول : رجعنا إلى ما نحن بصدده ، أي : بقصده ، وهو أيضا الميل ، والناحية . هذا ؛ والنفاق : إظهار الإيمان ، وإخفاء الكفر ، وسمّي المنافق منافقا أخذا من نافقاء اليربوع ، وهو جحره الّذي يقيم فيه ، فإنّه يجعل له بابين ، يدخل من أحدهما ، ويخرج من الآخر ، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله : أنا مؤمن ، ويدخل مع الكافرين بقوله : أنا كافر . وكان المنافقون في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثمئة من الرّجال ، ومئة من النساء . هذا وقال تعالى في سورة ( التوبة ) :
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ . . .
إلخ . هذا ؛ وقد يتصف مؤمن بصفات المنافقين ، فيكذب في القول ، ويخلف في الوعد ، ويخون في الأمانة ، ويفجر في الخصومة ، فهذا يقال له : نفاق العمل ، وأمّا الأوّل ؛ فيقال له : نفاق العقيدة ، وهو أخبث من الكفر ، وعقابه أشدّ منه ، قال تعالى في الآية رقم [ 145 ] الآتية :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً
وقد حذّر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من نفاق العمل ، والاتصاف به ، فإنّه يجر إلى نفاق العقيدة . وخذ ما يلي : فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « آية المنافق ثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان » . رواه البخاريّ ، ومسلم ، وزاد مسلم في رواية له : « وإن صلّى ، وصام ، وزعم : أنّه مسلم » .