تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
الخطاب . وقيل لهم : لا تدخلوا في الصلاة ، وتحرموا بها في حال سكركم ، ونهى عن قربان الصّلاة في حال السّكر ، وهو أبلغ في النّهي عن الصّلاة في تلك الحالة . والقاعدة : أنّ الأحكام إذا كانت نواهي ؛ يقال فيها : لا تقربوها ؛ على حدّ قوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ،
و
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ *
وهكذا ، وإن كانت أوامر ، يقال فيها : لا تعتدوها ، أي : لا تتجاوزوها ، كما في قوله تعالى في سورة ( البقرة ) :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها .
هذا وقيل : المراد بالصلاة : أمكنتها ، وهي المساجد . و
سُكارى
يقرأ بفتح السين وضمها ، كما قرئ : ( سكرى ) كهلكى ، على أنّه جمع ، أو مفرد بمعنى : وأنتم قوم سكرى .
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
أي : في صلاتكم من الذكر ، وقراءة القرآن . وهذا كان قبل نزول تحريم الخمر ، كما ستعرفه .
وَلا جُنُباً
أي : في حال الجنابة ، والجنب يستوي فيه الواحد ، والجمع ، والمذكر ، والمؤنث ؛ لأنّه اسم جرى مجرى المصدر الّذي هو : الإجناب ، وأصل الجنابة : البعد ، سمّي الذي أصابته الجنابة جنبا ؛ لأنّه يتجنّب الصلاة ، والمسجد . وقيل : لمجانبته النّاس ؛ حتّى يغتسل ، قال علقمة بن عبدة : [ الطويل ]
فلا تحرمنّي نائلا عن جنابة * فإنّي امرؤ وسط القباب غريب
هذا ؛ والجنابة تحصل بخروج المنيّ بأيّ سبب كان ، وبإدخال الحشفة في فرج ، ولو بهيمة ، ولو من غير إنزال . هذا ؛ ويحرم على الجنب خمسة أشياء : الصّلاة ، والطّواف ، وقراءة القرآن ، ودخول المسجد ، ومسّ المصحف ، وحمله .
إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ
العابر هاهنا : اسم فاعل من العبور ، وهو قطع الطريق من هذا الجانب إلى الجانب الآخر . واختلف العلماء في معناه على قولين : أحدهما : أنّ المراد بالعبور في المسجد ، وذلك أنّ قوما من الأنصار ، كانت أبوابهم في المسجد ، فتصيبهم الجنابة ، ولا ماء عندهم ، ولا ممرّ لهم إلا في المسجد ، فرخّص لهم العبور فيه . فعلى هذا يكون المراد بالصّلاة موضع الصّلاة . والمعنى : لا تقربوا المسجد ، وأنتم جنب إلا مجتازين فيه ، إمّا للخروج منه ، أو للدخول فيه ، مثل أن يكون قد نام في المسجد ، فأجنب ، فيجب الخروج منه ، أو يكون الماء في المسجد ، فيدخله إليه ، أو يكون طريقه عليه ، فيمر فيه من غير إقامة . وهذا قول ابن مسعود ، وأنس ، والحسن البصري ، وكثير من التابعين ، وإليه ذهب الشّافعي ، وأحمد - رضي اللّه عنهم - . القول الثاني : أنّ المراد من قوله :
إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ
المسافرون ، والمعنى : لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين ، ولم تجدوا ماء ، فتيمّموا . فمنع الجنب من الصّلاة ؛ حتّى يغتسل ، إلا أن يكون في سفر ، ولا ماء معه ، فيتيمّم ، ويصلّي إلى أن يجد ماء ، فيغتسل .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 464 | الشيخ محمد علي طه الدرة