شَهِيداً
أي : شاهدا على من آمن بالإيمان ، وعلى من كفر بالكفر ، وعلى من نافق بالنفاق .
وقيل : المعنى : وجئنا بك يا محمد شاهدا على صدق هؤلاء الأنبياء بأنّهم بيّنوا لأممهم طريق الحقّ ، والصّواب لعلمك بشرعهم ، وعقائدهم . هذا ؛ وفي الآية ما يسمّى : السؤال عن المعلوم لتوبيخ السّامع ، وتقريعه .
فعن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اقرأ عليّ القرآن » .
فقلت : يا رسول اللّه أقرأ عليك ، وعليك أنزل ؟ فقال : « إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري » . قال :
فقرأت عليه سورة ( النساء ) حتى جئت هذه الآية :
فَكَيْفَ . . .
إلخ . قال : « حسبك الآن ! » قال :
فالتفتّ إليه ، فإذا عيناه تذرفان . متّفق عليه ، وزاد مسلم ، فقال : « وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم » أو قال : « ما كنت فيهم » شكّ أحد رواته . انتهى خازن .
هذا ؛ و « جاء » يستعمل لازما ، إن كان بمعنى حضر ، وأقبل ، ومتعدّيا إن كان بمعنى : وصل ، وبلغ ، فمن الأول ما هو في هذه الآية ، ومن الثاني قوله تعالى :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ .
ومثله « أتى » يستعمل لازما ، ومتعديا .
( أمّة ) : تكون واحدا إذا كان يقتدى به ، كقوله تعالى في حقّ إبراهيم - على نبينا ، وحبيبنا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً . . .
إلخ . وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في زيد بن عمرو بن نفيل : « يبعث أمّة وحده » لأنّه لم يشرك في دينه غيره ، و « الأمّة » الطريقة ، والملّة ، والدّين ، كقوله تعالى ، حكاية عن قول المشركين :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ *
ومنه قوله تعالى :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً . *
وكلّ جنس من الحيوان أمّة ، كقوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
والأمة : الحين ، والوقت ، كقوله تعالى :
وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ
أي : بعد وقت وحين ، و « الأمة » : الشجة التي تبلغ الدماغ ، يقال : رجل مأموم ، وأميم .
و « الأمة » أيضا : القامة ، يقال : فلان حسن الأمة ، أي : حسن القامة . قال الشاعر : [ المتقارب ]
وإنّ معاوية الأكرمين * حسان الوجوه طوال الأمم
الإعراب :
فَكَيْفَ :
الفاء : حرف استئناف . ( كيف ) : اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف ، التقدير : فكيف حالهم ، أو في محل نصب حال ، عامله محذوف ، التقدير : فكيف يصنع هؤلاء الكفرة ، والجملة سواء أكانت اسمية ، أو فعلية : مستأنفة لا محلّ لها .
إِذا :
ظرف زمان مبني على السكون في محل نصب متعلّق بالفعل المقدّر ، أو هو متعلّق بنفس المبتدأ الّذي قدّرناه .
جِئْنا :
فعل وفاعل ، والجملة الفعلية في محلّ جرّ بإضافة
إِذا
إليها . هذا ؛ ومثل هذه الآية في إعرابها الآية رقم [ 25 ] : من سورة ( آل عمران ) ، ومثل الآيتين قول الفرزدق - وهو الشّاهد رقم [ 225 ] : من كتابنا : « فتح رب البريّة » ، والشاهد رقم [ 528 ] : من كتابنا : « فتح القريب المجيب » - : [ الوافر ]