تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
خلقت ؟ قالت : لتسكن إليّ ، وأسكن إليك . فمال إليها ، وألفها ؛ لأنّها خلقت منه . هذا هو المشهور ، وتؤيّده الأحاديث الشريفة ، ولكن هناك من يتبجّح ، ويقول : إن اللّه خلقها بدون واسطة ، يعني : أنّ اللّه خلقها من تراب ، كما خلق آدم ، ولهذا يقدّرون مضافا محذوفا ، فيقولون : الأصل من جنسها ، أي : من البشر ، وهاك قول الشاعر : [ الطويل ]
هي الضّلع العوجاء لست تقيمها * ألا إنّ تقويم الضّلوع انكسارها
أتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى * أليس عجيبا ضعفها واقتدارها
وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « استوصوا بالنّساء ، فإنّ المرأة خلقت من ضلع ، وإنّ أعوج ما في الضّلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه ؛ كسرته ، وإن تركته ؛ لم يزل أعوج . فاستوصوا بالنّساء » . رواه البخاريّ ، ومسلم ، وغيرهما . وروى ابن أبي حاتم عن قتادة ، عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : « خلقت المرأة من الرّجل ، فجعلت نهمتها في الرّجل ، وخلق الرّجل من الأرض ، فجعلت نهمته في الأرض ، فاحبسوا نساءكم » .
وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً
أي : نشر ، وفرّق من آدم ، وحواء خلائق كثيرين ذكورا ، وإناثا . وإنّما وصف اللّه الرّجال بالكثرة دون النساء ؛ لأنّ حال الرّجال أتمّ ، وأكمل ، وهذا كالتنبيه على أنّ اللائق بحال الرّجال الظهور ، والاستشهار ، وبحال النّساء الاختفاء والخمول ، والواقع والمشهور : أن نسبة الإناث أكثر من الذّكور في كلّ زمان ، ومكان . هذا ؛ والرّجل مشتق من الرجولة ، وهي الشّجاعة ، والنّجدة ، والمرأة مشتقة من المرء ، وهو الرّجل الذي خلقت منه ، كما رأيت .
وَاتَّقُوا اللَّهَ :
كرّره للتأكيد ، ولا تنس الطّباق بين :
رِجالًا
و (
نِساءً
)
تَسائَلُونَ بِهِ :
يسأل بعضكم بعضا به ، فيقول : أسألك باللّه ، وقد حذفت منه تاء المضارعة ، أصله : تتساءلون ، وقرئ بتشديد السّين ؛ فأدغمت التاء الثانية في السّين .
وَالْأَرْحامَ
أي : واتقوا الأرحام أن تقطعوها . ويقرأ بكسر الميم عطفا على الضمير المجرور بالباء ، وقد استقبحها كثير من العلماء . قال أبو العباس المبرّد - رحمه اللّه تعالى - : لو صليت خلف إمام يقرأ : ( ما أنتم بمصرخيّ ) ، ( واتّقوا اللّه الّذي تساءلون به والأرحام ) ؛ لأخذت نعلي ، ومضيت . ومنه قول الشاعر : [ البسيط ]
فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والأيّام من عجب
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً :
حافظا ، أو عالما ، أو مطّلعا . هذا ؛ و ( الأرحام ) جمع رحم ، وهو القريب من جهة الأب ، أو من جهة الأم ، وقد عطف اللّه الأرحام على اسمه تنبيها على مكانتها عنده ، كيف لا وقد أمر اللّه بصلتها في كثير من الآيات ، وحذّر من قطعها ، وهو الذي يقول في سورة ( محمّد ) صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ( 22 ) أُولئِكَ الَّذِينَ
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 361 | الشيخ محمد علي طه الدرة