إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
أي : لا ينقصون من ملك اللّه ، وسلطانه شيئا بسبب كفرهم ، كما روي في حديث أبي ذرّ الطويل : « يا عبادي لو أنّ أوّلكم ، وآخركم ، وإنسكم ، وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا » . أخرجه مسلم في صحيحه ، والترمذيّ ، وغيرهما .
يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ
يعني : لا يجعل لهم نصيبا في ثواب الآخرة ونعيمهما الدائم ، فلذلك خذ لهم ؛ حتّى سارعوا في الكفر . وفي الآية دليل على أنّ الخير ، والشر بإرادة اللّه تعالى ، وفيه ردّ على القدرية ، والمعتزلة ؛ الذي يقولون : إن الإنسان يخلق أفعال نفسه . هذا ؛ والحظّ : النّصيب والجدّ ، وهو البخت ، والدولة ، يقال : فلان ذو حظّ ، وحظيظ ، ومحظوظ ، وما الدنيا إلا أحاظ ، وجدود ، ورحم اللّه المعرّي ؛ إذ يقول : [ الكامل ]
لا تطلبنّ بغير حظّ رتبة * قلم الأديب بغير حظّ مغزل
سكن السّماكان السّماء كلاهما * هذا له رمح وهذا أعزل
السّما كان : كوكبان ، يقال لأحدهما : الأعزل ، وهو منازل القمر ، وهو الّذي له النوء ، وسمّي أعزل ؛ لأنّه لا شيء من الكواكب بين يديه ، ويقال للآخر : الرّامح ، وسمّي رامحا بكوكب يتقدّمه .
ومعنى البيتين : أنهما مع استوائهما في وجود كلّ منهما في السّماء ، امتاز أحدهما عن الآخر ، فلهذا حظّ ، ولا حظّ لذاك ، فالمدار على القضاء الأزليّ ، والسّعد الأولي . اللهم اجعلنا من السّعداء ، ولا تجعلنا من الأشقياء ! وما أحسن قول من قال في بيان حظوظ الرّجال : [ الرمل ]
خلق الحظّ جمانا وحصى * خالق الإنسان من ماء وطين
فوليد تسجد الدّنيا له * ووليد في زوايا المهملين
وقال المتنبي ، وقد أجاد ، وأحسن : [ الطويل ]
هو الحظّ حتّى تفضل العين أختها * وحتّى يصير اليوم لليوم سيّدا
هذا ؛ والحظّ : النصيب . قال تعالى في سورة ( النساء ) في آية المواريث :
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . *
وقال تعالى في سورة ( المائدة ) رقم [ 14 ] : في ذمّ اليهود الّلؤماء :
فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ .
الإعراب :
وَلا :
الواو : حرف استئناف . (
لا
) : ناهية جازمة .
يَحْزُنْكَ :
مضارع مجزوم ب (
لا
) الناهية ، والكاف مفعول به ،
الَّذِينَ :
اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل ، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها .
يُسارِعُونَ :
فعل مضارع مرفوع . . . إلخ ، والواو فاعله .
فِي الْكُفْرِ :
متعلقان به ، والجملة الفعلية صلة الموصول ، لا محل لها .
إِنَّهُمْ :
حرف مشبه بالفعل ، والهاء اسمها .
لَنْ :
حرف ناصب .
يَضُرُّوا :
فعل مضارع منصوب ب (
لَنْ
)