تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
ألقاه في اليمّ مكتوفا ، وقال له : * إيّاك إيّاك أن تبتلّ في الماء
فأجابه بعض أهل السنة بقوله : [ البسيط ]
إن حفّه اللّطف لم يمسسه من بلل * ولم يبال بتكتيف وإلقاء
وإن يكن قدّر المولى بغرقته * فهو الغريق ولو ألقي بصحراء
حُبُّ الشَّهَواتِ :
المشتهيات ، سماها اللّه شهوات مبالغة ، وإيماء إلى أنهم انهمكوا في محبتها ، حتّى أحبوا شهوتها . وحركت الهاء بالفتح فرقا بين الاسم ، والنعت ، ومفردها : شهوة ، واتباع الشهوات مرد ، وطاعتها مهلكة . وأخرج مسلم - رحمه اللّه تعالى - عن أنس - رضي اللّه عنه - عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « حفّت الجنّة بالمكاره ، وحفّت النّار بالشّهوات » والمعنى : أنّ الجنة لا تنال إلا بطاعة اللّه ؛ وإن كان ثقيلة على النفس ، وأنّ النار لا ينجى منها إلا بترك المحرّمات ؛ التي تشتهيها النفس وعبّر اللّه عن المشتهيات بالشّهوات مبالغة ، كأنّها نفس الشهوات ، وتنبيها على خسّتها ؛ لأنّ الشهوات مسترذلة عند العقلاء .
مِنَ النِّساءِ :
بدأ اللّه بذكر النساء من المشتهيات ؛ لأنّ الالتذاذ بهن أكثر ، والاستئناس بهن أتمّ ، ولأنهنّ حبائل الشيطان ، وأقرب إلى الافتتان بهنّ ، كما ثبت في الصحيح : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرّجال من النّساء » . ففتنة النساء أعظم من جميع الأشياء . ويقال : في النّساء فتنتان ، وفي الأولاد فتنة واحدة ، فأما اللّتان في النساء ؛ فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الأرحام ؛ لأنّ المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات ، والأخوات . والثاني بأن يبتلى بجمع المال من الحلال ، والحرام بسبب مطالب الزوجة ، التي لا تنتهي ، ولا سيما في هذا الزمن . وانظر إعلال
النِّساءِ
في الآية رقم [ 61 ] الآتية .
وَالْبَنِينَ :
مفرده : ابن . وإنّما ثنّى بالبنين ؛ لأنهم ثمرات القلوب ، وقرّة الأعين ، كما قال القائل : [ السريع ]
وإنّما أولادنا بيننا * أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبّت الرّيح على بعضهم * لامتنعت عيني من الغمض
وحب البنين تارة يكون للتفاخر ، والتباهي ، والزينة ، فهو مذموم ، وتارة يكون لتكثير النّسل ، وتكثير أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ممّن يعبد اللّه وحده لا شريك له ، فهذا محمود ممدوح ، كما ثبت في الحديث : « تزوّجوا الودود الولود ، فإنّي مكاثر بكم الأمم يوم القيامة » . رواه أبو داود ، والنسائي عن معقل بن يسار ، رضي اللّه عنه ، ولهذا ثنّى بالبنين بعد النساء وفي حديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « الولد مبخلة مجبنة محزنة » ولأنهم فروع منهنّ ، وثمرات نشأت عنهنّ . وقدّموا على الأموال لأنّهم أحبّ إلى المرء من ماله . وخصّ البنون بالذكر دون البنات ؛ لأن حبّ الذكر أكثر من حبّ