تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
فَاعْفُ عَنْهُمْ
أي : تجاوز عن زلّاتهم ، وما فعلوا يوم أحد من الهزيمة .
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ
أي : واسأل اللّه المغفرة لهم ؛ حتّى يشفّعك فيهم . وقيل : فاعف ما كان منهم يوم أحد ممّا يختصّ بك ، واستغفر لهم فيما يختصّ بحقوق اللّه ، وذلك من إتمام الشفقة عليهم ، والرأفة بهم .
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
أي : في أمر الحرب ونحوه ، مما لم ينزل عليك فيه وحي ، تطييبا لنفوسهم ، وترويحا لقلوبهم ، ورفعا لأقدارهم ، أو لتقتدي بك أمّتك فيها ، جاء من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما تشاور قوم قطّ إلّا هدوا لأرشد أمورهم » . ومن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار ، ولا عال من اقتصد » . وقال الحسن البصريّ ، والضحّاك : ما أمر اللّه نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلّمهم ما في المشاورة من الفضل ، ولتقتدي به أمتّه من بعده . ولقد روى البغويّ - رحمه اللّه تعالى - بسنده عن عائشة - رضي اللّه عنها - أنّها قالت : ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرّجال من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استشار أصحابه في كثير من أمور الدنيا ، مما لم ينزل عليه فيها وحي ، فقد شاورهم حين خرج إلى بدر ، واستشارهم في النزول في مكان في بدر ، فأشار عليه الحباب بن المنذر بغير المكان الذي أراد النزول فيه ، واستشارهم في أسرى بدر ، وفي غزوة الخندق ، وفي الخروج إلى أحد كما رأيت فيما سبق ، وغير ذلك كثير . هذا ؛ الاستشارة دعامة تقوم عليها أمور الدنيا ، والآخرة ، قال عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - : الاستشارة عين الهداية ، وقد خاطر من استغنى برأيه ، والتدبّر قبل العمل يؤمّنك من الندم . وقال بعض الحكماء : ما استنبط الصّواب بمثل المشاورة . ومن فوائدها : أنه قد يعزم الإنسان على أمر ، فيشاور فيه ، فيتبين له الصواب في قول غيره ، فيعلم بذلك عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح . ومنها : أنه إذا لم ينجح أمره ؛ علم : أنّ امتناع النجاح محض قدر ، فلم يلم نفسه . وقال بعضهم في مدح المشاورة : [ الطويل ]
وشاور إذا شاورت كلّ مهذّب * لبيب أخي حزم لترشد في الأمر
ولا تك ممّن يستبدّ برأيه * وشاورهم في الأمر حتما بلا نكر
قال العلماء : وصفة المستشار في الأحكام الدينية : أن يكون عالما ديّنا . وفي أمور الدنيا : أن يكون عاقلا مجرّبا وادّا في المستشير ، قال الشاعر : [ المتقارب ]
إذا كنت في حاجة مرسلا * فأرسل حكيما ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى * فشاور لبيبا ولا تعصه
وأكتفي بما تقدّم هنا . وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 38 ] : من سورة ( الشورى ) تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك .
فَإِذا عَزَمْتَ
أي : على أمر من الأمور ؛ فامض وتوكل على اللّه ، وثق به ، ولا تعتمد