تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 661

مساهمون:

ص٦٦١
إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة ، فبقوا فقراء ، وهو فحوى قوله تعالى :
لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ
يعني : سفرا للتسبب في طلب المعاش ، والضرب في الأرض : هو السّفر ، قال تعالى في سورة ( النساء ) رقم [ 101 ] :
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ،
وقال جلّ ذكره في سورة ( المزمل ) :
وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
. هذا والحصر : المنع ، والحبس ، قال تعالى :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
وهو يحتمل أن يكون من الرباعي « أحصر » ومن الثلاثي « حصر » وقال أبو عبيدة ، والكسائي : أحصر بالمرض ، وحصر بالعدو ، وفي المجمل لابن فارس على العكس ؛ فحصر بالمرض ، وأحصر بالعدو ، وقالت طائفة : يقال : أحصر فيهما جميعا من الرباعي ، حكاه أبو عمر ، والصحيح أنهما يستعملان فيهما ، وهو ما قدمته أولا ، قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : الأكثر من أهل اللغة على أن حصر في العدو ، وأحصر في المرض ، وأصل الكلمة من الحبس ، ومنه : الحصير للذي يحبس نفسه على البوح بسره ، والحصير الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات القش إلى بعض ، هذا ، ويقال : ألحف ، وأحنى ، وألحّ في المسألة سواء ، قال بشار بن برد الأعمى : [ الرجز ]
الحرّ يلحى ، والعصا للعبد * وليس للملحف مثل الرّدّ
واشتقاق الإلحاف من اللّحاف ، سمي بذلك لاشتماله على وجود الطّلب في المسألة ، كاشتمال اللحاف من التغطية ، أي : هذا السائل يعمّ الناس بسؤاله ، فيلحفهم بذلك ، ومنه قول ابن أحمر : [ الوافر ]
فظلّ يحفّهنّ بقفقفيه * ويلحفهنّ هفهافا ثخينا
يصف ذكر النعام ، يحضن بيضه بجناحيه ، ويجعل جناحه لها كاللحاف ، وهو رقيق مع ثخنه . هذا والحصير : الملك ؛ لأنه كالمحبوس من وراء حجاب ، قال لبيد - رضي اللّه عنه - : [ الكامل ]
وقماقم غلب الرّقاب كأنّهم * جنّ لدى باب الحصير قيام
والإلحاف في المسألة مع الغنى عنها حرام ، لا يحلّ ، فقد روى أبو هريرة - رضي اللّه عنه - ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من سأل النّاس أموالهم تكثّرا ، فإنّما يسأل جمرا ، فليستقلّ أو ليستكثر » أخرجه مسلم . وعن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تزال المسألة بأحدكم حتّى يلقى اللّه وليس في وجهه مزعة لحم » أخرجه البخاريّ ، ومسلم .
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ
أي : بحالهم .
أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
أي : إنّهم من تركهم السؤال ، والتوكل على اللّه ، والقناعة ، والرضا بقضاء اللّه ، وقدره يظنّهم الجاهل بحالهم أغنياء . هذا ؛