والعدالة ، والثّناء عليهم ، ما عدا الّذين برز نفاقهم ، فهم مغضوب عليهم ، محرومون من رحمة اللّه ، ورضوانه ، ويكونون في أعمق واد من أودية جهنّم .
تنبيه : في الآية الكريمة التفاتات كثيرة : منها : التفات من التكلّم بقوله :
فَضَّلْنا
إلى الغيبة بقوله :
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ،
ثم منه إلى التكلّم بقوله :
وَآتَيْنا ،
وَأَيَّدْناهُ
ثمّ منه إلى الغيبة بقوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ . . .
إلخ ، وللالتفات فوائد كثيرة : منها تطرية الكلام ، وصيانة السّمع عن الضّجر ، والملال ؛ لما جبلت عليه النّفوس من حبّ التنقّلات ، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد هذه فوائده العامّة ، ويختصّ كلّ موضع بنكت ، ولطائف باختلاف محلّه ، كما هو مقرر في علم البديع ، ووجهه حيث السّامع ، وبعثه على الاستماع ؛ حيث أقبل المتكلّم عليه ، وأعطاه فضل عنايته ، وخصّصه بالمواجهة .
الإعراب :
تِلْكَ :
اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ ، واللام للبعد ، والكاف حرف خطاب لا محل له .
الرُّسُلُ :
بدل من اسم الإشارة ، أو عطف بيان عليه .
فَضَّلْنا :
فعل وفاعل ، والجملة الفعلية في محلّ رفع خبر المبتدأ .
بَعْضَهُمْ :
مفعول به ، والهاء في محل جرّ بالإضافة ،
عَلى بَعْضٍ :
متعلقان بالفعل قبلهما ، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ . هذا ؛ وجوّز السفاقسي ، وأبو البقاء اعتبار
الرُّسُلُ
خبر المبتدأ ، والجملة الفعلية في محل نصب حال من
الرُّسُلُ ،
والعامل في الحال اسم الإشارة ، وهذا غير متعارف عليه في مثل هذا التّركيب .
مِنْهُمْ :
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم .
مَنْ :
اسم موصول ، أو نكرة موصوفة مبنية على السّكون في محلّ رفع مبتدأ مؤخر .
كَلَّمَ اللَّهُ :
فعل ماض ، وفاعله ، والجملة الفعلية صلة
مَنْ
أو صفتها ، والعائد أو الرابط محذوف ، التقدير : منهم الذي ، أو :
شخص كلّمه اللّه ، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه والمشهور في مثل هذه الجملة ، ولا أعتمده ، والأصحّ : أنّ مضمون الجار والمجرور مبتدأ ، و
مَنْ :
هي الخبر ؛ لأنّ (
مَنْ
) الجارة دالة على التبعيض ؛ أي : وبعضهم من كلمه اللّه ، وجمع الضمير يؤيّده ، ويؤيده قوله تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 110 ] :
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ،
ف ( أكثرهم ) معطوف على مضمون
مِنْهُمْ ،
وقوله تعالى في سورة ( المائدة ) [ 66 ] :
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ؛
ف ( كثير ) معطوف على مضمون
مِنْهُمْ
وخذ قول الحماسي : [ الكامل ]
منهم ليوث لا ترام وبعضهم * ممّا قمشت ، وضمّ حبل الحاطب
هذا ؛ وليوث : جمع : ليث ، وهو السّبع ، لا ترام : لا تقصد ، قمشت : جمعت من هنا وهناك ، والمراد : رذالة الناس ، والقمش : الرديء من كلّ شيء ، والجملة الاسمية :
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ :
هذه تحتمل أن تكون مستأنفة لا محلّ لها ، وأن تكون بدلا من جملة
فَضَّلْنا . . .