تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
- عشرة قرون ، كلّهم على شريعة من الحقّ ، فاختلفوا . ودلّ على هذه الجملة لدلالة قوله :
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
. وانظر شرح أمّة في الآية رقم [ 128 ] ، والإمة بكسر الهمزة : النعمة ؛ لأنّ الناس يقصدون قصدها .
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ :
انظر الآية رقم [ 61 ] .
مُبَشِّرِينَ :
للمؤمنين بالجنّة ، وحسن المآل . (
مُنْذِرِينَ
) : مخوفين للكافرين ، والعاصين بالنّار ، وسوء الحساب .
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ
المراد به الجنس ، لا المراد : أنّ اللّه تعالى أنزل بكلّ واحد منهم كتابا يخصّه ، فإن أكثرهم لم يكن معهم كتاب يخصّهم ، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم . انتهى بيضاوي ، وذلك كما في أنبياء بني إسرائيل ، فإنّ جميعهم كان يحكم بالتوراة ؛ حتّى بعث عيسى ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام ، بل وحتى عيسى كان يحكم بالتّوراة ؛ لأن الإنجيل الّذي أنزل عليه ، لم يكن فيه سوى بعض الأحكام المغيّرة لأحكام التوراة .
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
يحتمل رجوع الفاعل إلى
اللَّهُ
أو النبيّ المبعوث ، أو كتابه ، ويؤيد الأول قراءة الجحدري : ( لنحكم ) بنون العظمة .
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ
أي : في الحقّ ، أو في الكتاب .
أُوتُوهُ
أي : الكتاب حيث آمن به بعض ، وكفر به بعض آخر .
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ :
المعجزات الظاهرات ، والحجج السّاطعات على التوحيد .
بَغْياً بَيْنَهُمْ
حسدا بينهم أو ظلما ، وعدوانا لحرصهم على الدنيا ،
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا :
ثبّتهم اللّه على الحق
لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ :
بأمره ، وتوفيقه .
وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ :
ففي هذه الآية ردّ على المعتزلة بقولهم : إنّ العبد يخلق أفعال نفسه ، ويستبدّ بهدايته إلى ما يشاء ، ويريد . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة ، نحن أوّل النّاس دخولا الجنّة ، بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، فهدانا اللّه لما اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه ، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه ، فهدانا اللّه له ، فالناس لنا فيه تبع ، فغدا لليهود ، وبعد غد للنّصارى » . المراد باليوم الذي اختلفوا فيه : يوم الجمعة . وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه - رضي اللّه عنه - : اختلفوا في يوم الجمعة ، فاتخذ اليهود يوم السّبت ، والنصارى يوم الأحد ، فهدى اللّه أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليوم الجمعة . واختلفوا في الصّلاة ، فمنهم من يركع ، ولا يسجد ، ومنهم من يسجد ولا يركع ، ومنهم من يصلّي ؛ وهو يتكلم ، ومنهم من يصلي ؛ وهو يمشي ، فهدى اللّه أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للحقّ من ذلك . واختلفوا في إبراهيم ، عليه الصلاة والسّلام ، فقالت اليهود : كان يهوديّا ، وقالت النّصارى : كان نصرانيّا ، وجعله اللّه حنيفا مسلما ، فهدى اللّه أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للحق من ذلك . واختلفوا في عيسى عليه السّلام ، فكذبت به اليهود ، وقالوا لأمه بهتانا عظيما ، وجعلته النصارى إلها وولدا ، وجعله اللّه روحه ، وكلمته ، فهدى اللّه أمّة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للحقّ من ذلك . وكان أبو العالية - رحمه اللّه - يقول : في هذه الآية المخرج من الشّبهات ، والضّلالات ، والفتن .