أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ .
والنصر : فتح شيء مغلق . هذا ؛ وروى النّسائيّ عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنما ينصر اللّه هذه الأمة بضعفائها ؛ بدعوتهم ، وصلاتهم ، وإخلاصهم » . وروى النسائيّ أيضا عن أبي الدّرداء - رضي اللّه عنه - قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ابغوني الضّعيف ؛ فإنكم إنّما ترزقون ، وتنصرون بضعفائكم » .
هذا ؛ والسبب في سكنى اليهود المدينة المنورة هو انتظارهم مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وظهوره ، فقد قدم آباؤهم ، وأجدادهم من فلسطين قبل مبعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بمئتين أو بثلاثمئة سنة إلى المدينة ينتظرون خروجه ، وظهوره ؛ لأنه منصوص عليه في التوراة : أنه يولد في مكّة ، ويهاجر إلى المدينة ، فلمّا ظهر ؛ كفروا به بغيا ، وعدوا ، كما قال تعالى :
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
فقال لهم معاذ بن جبل - رضي اللّه عنه - : يا معشر يهود ! اتّقوا اللّه ، وأسلموا ؛ فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونحن أهل شرك ، وتخبروننا : أنه مبعوث ، وتصفونه بصفته . فقال :
سلام بن مشكم ، أخو بني النضير - لعنه اللّه - : ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو بالذي نذكر لكم ، فأنزل اللّه في ذلك قوله :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ . . .
إلخ .
الإعراب :
وَلَمَّا :
الواو : حرف استئناف . (
لَمَّا
) : حرف وجود لوجود عند سيبويه ، وبعضهم يقول : حرف وجوب لوجوب ، وهي ظرف بمعنى ( حين ) عند ابن السّراج ، والفارسي ، وابن جني ، وجماعة ، تتطلّب جملتين مرتبطتين ببعضهما ارتباط فعل الشرط بجوابه ، وصوب ابن هشام الأول ، والمشهور الثاني .
جاءَهُمْ :
فعل ماض ، والهاء مفعول به .
كِتابٌ :
فاعل ، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ( لمّا ) على اعتبارها ظرفا ، وابتدائية لا محل لها على اعتبار ( لمّا ) حرفا .
مِنْ عِنْدِ :
جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة :
كِتابٌ
و
عِنْدِ
مضاف ، و
اللَّهِ :
مضاف إليه .
مُصَدِّقٌ :
صفة :
كِتابٌ .
لَمَّا :
جار ومجرور متعلقان ب
مُصَدِّقٌ ،
مَعَهُمْ :
ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ( ما ) أو بمحذوف صفتها إن كانت نكرة موصوفة ، وانظر تعليق اللام في الآية رقم [ 41 ] فإنه جيد ، وجواب ( لمّا ) محذوف دل عليه جواب الثانية ، تقديره : أنكروه ، أو نحو ذلك ، وقيل : إنّ جوابها
كَفَرُوا بِهِ
وجواب الثانية ومدخولها جواب الأولى ، وهذا ضعيف ؛ لأن الفاء مع ( لما ) الثانية ، و ( لمّا ) لا تجاب بالفاء ، إلا أن يعتقد زيادة الفاء على ما يجيزه الأخفش . انتهى عكبري . وأقوى الأقوال الأوّل ، و ( لمّا ) ومدخولها معطوف على جملة : (
قالُوا
) في الآية السابقة ، لا محل لها مثلها .
وَكانُوا :
الواو : واو الحال ، (
كانُوا
) : فعل ماض ناقص مبني على الضم ، والواو اسمه ، والألف للتفريق .
مِنْ قَبْلُ :
متعلقان بالفعل كانوا ، وهذا على القول بجواز التعليق بالفعل الناقص . ويؤيّده : المعنى هنا ، ومن لا يجيزه يعلقهما بالفعل بعدهما . وجملة :
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
في محل نصب خبر ( كان ) وجملة : (
كانُوا
) في محل نصب حال من الضمير ، وهو