تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
ياء . لوقوعها رابعة ، واشتقاقه من : قفوته ، إذا اتّبعت قفاه ، ثم اتّسع فيه ، فأطلق على كل تابع ، وإن بعد زمان التابع من زمان المتبوع . والقفا : مؤخر العنق ، ويقال له : القافية أيضا ، ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يعقد الشّيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد » . رواه الشّيخان ، وغيرهما . ومنه قافية الشّعر ، وهي آخر حرف من البيت ، سمّيت بذلك ؛ لأنها تتلو ، وتتبع ما قبلها من أبيات . هذا ؛ وقد قال تعالى في سورة الحديد رقم [ 27 ] :
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
.
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ :
الحجج ، والمعجزات ، وهي إبراء الأكمه ، والأبرص وإحياء الميّت ، وغير ذلك ، ممّا ذكر في : ( آل عمران ) و ( المائدة ) ،
وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ :
وقويناه بجبريل عليه الصلاة والسّلام ، رواه أبو مالك ، وأبو صالح عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - ومعمر بن قتادة ، وقال حسّان - رضي اللّه عنه - : [ الوافر ]
وجبريل رسول اللّه فينا * وروح القدس ليس به خفاء
قال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى : إنّما سمّي جبريل روح القدس ؛ لأن القدس هو اللّه ، وروحه : بجبريل ، فالإضافة للتّشريف ، وقال الرازي - رحمه اللّه تعالى - : وما يدل على أن روح اللّه القدس بجبريل قوله تعالى في سورة ( النّحل ) :
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ
. وقال النّحاس : سمّي جبريل روحا ، وأضيف إلى القدس ؛ لأنه كان بتكوين اللّه عز وجل له روحا من غير ولادة والد ولده ، وكذلك سمي عيسى روحا لهذا ، هذا ؛ والقدس : الطهر ، هذا ؛ وعيسى مأخوذ من العيس ، وهو بياض يخالطه شقرة ، قاله أبو البقاء .
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ :
لا يوافق هواكم ، ويلائمه . استكبرتم : عن إجابته ، واتباعه ، والأخذ بتعاليمه . انظر الآية رقم [ 91 ] الآتية :
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ :
فكان ممّن كذبوه عيسى ، ومحمّد عليهما ألف صلاة ، وألف سلام .
وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ :
وممن قتلوه يحيى ، وزكريا ، وغيرهما ، هذا ؛ والتّعبير بالمضارع بقوله تعالى :
وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
لم يقل : قتلتم كما قال :
كَذَّبْتُمْ ؛
لأنّ المضارع كما هو المألوف في أساليب البلاغة يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغا عظيما ، وكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السّامع ، وجعله ينظر إليها بعينه ، فيكون إنكاره لها أبلغ ، واستفظاعه لها أعظم ، ومنه قوله تعالى في سورة ( الحج ) رقم [ 63 ] :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
فعبّر بالماضي ، ثم قال :
فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً
فعدل عنه إلى المضارع لتصوير اخضرارها في النفس ، وعليه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي - رضي اللّه عنه - ، يصور شجاعته ، وجرأته : [ الوافر ]
فإنّي قد لقيت القرن يسعى * بسهب كالصّحيفة صهصهان
فآخذه فأضربه فيهوي * صريعا لليدين وللجران