تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
ما تحمل الروح فهي رمز النفس ، ولقد حرم يعقوب على نفسه مد عينيه إلى نفسه ، وهو ما رمز إليه بالأكل ، فتنازل عنها للّه ، وهذا هو بدء الدخول في ملكوت السماوات كما قال سبحانه :
حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
[ الأعراف : 40 ] ، أي حتى تدخل النفس في سم الخياط الضيق ، وهو ثقب على ضيقه يعد المدخل إلى مكنون الحقيقة الجامعة لصفات الجمال والجلال أي الضدين . وفي هذا سر ابتلاء يعقوب بفقد يوسف عليهما السّلام وذهاب بصره ، وكان في ابتلاء الحق يعقوب رحمة ، وباطن كل بلاء رحمة عند العارفين ، فلو لا ابتلاء اللّه يعقوب ما كف عينيه عن الإمساك بالنفس التي هي الحجاب .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 96 ]

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) [ آل عمران : 96 ] ما دام الحق سبحانه خلق آدم على صورته ، ففي آدم نسخ الموجودات جميعا ، معنوية وحسية ، وبكة مكة الصدر ، والبيت القلب ، والقلب مستودع الأمانة الإلهية كما جاء في الحديث القدسي : ( ما وسعتني السماوات ولا الأرض ولا الجبال ووسعني قلب عبدي المؤمن ) ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( قلب المؤمن عرش اللّه ) ، فنور الحق استودع قلب الإنسان كما جاء في الحديث : ( إن اللّه خلق الوجود من ياقوتة بيضاء ) . وكون البيت هدى هو بسبب تفجر ينابيع البصيرة في القلب ، ومن انفجرت ينابيع قلبه ، اهتدى ، وليس إلا نور الهدى هدى إلى اللّه ، ولهذا تؤكد العبادات ظاهرا وباطنا ضرورة تحقيق جلو مرآة القلب كي تنفجر الأنوار .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 97 ]

فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( 97 ) [ آل عمران : 97 ] الآيات البينات كلمات اللّه التامات ، ومنها الأسماء الحسنى ، وفي مقدمة الكلمات الصفات الإلهية السبع والقوى الإلهية السبع ، ودخول مقام إبراهيم التوجه إلى كعبة التوحيد والدخول في المقام الذي هو الخلة والتخلل ، فإبراهيم خليل اللّه ، والنور الإلهي تخلل إبراهيم ، ولهذا سمي الخليل ، فإبراهيم عليه السّلام أول نبي شعت في قلبه الأنوار الإلهية فآمن وأمن وسكن ، وعرف الحقيقة وأين هي . وقوله سبحانه :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
يعني أن من حق الحق على الخلق أن ييمموا وجوههم شطر القلب حيث مستودع الأسرار ، وإن لم يول العبد وجهه ، أي نفسه ، هذا الشطر القدسي فهو عبد آبق محجوب .
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 86 | محمد غازي عرابي