[ طه : 130 ، 135 ]
قال سبحانه :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ
[ الأعراف : 32 ] ، وفسرت الزينة باللباس ، وتتابع الآية قائلة :
وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ
[ الأعراف : 32 ] وفسرت الطيبات بالملذات . وقال سبحانه :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذاريات : 56 ] وفسر ابن عباس العبادة هنا بالمعرفة .
ونجد هنا قوله سبحانه :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
. ولدى المقارنة نجد أن ثمة زينتين ، زينة للمؤمنين وزينة للفتنة ، والزينة الأولى جزاء من يعبد اللّه أي يعرفه . فالمؤمن مأمور بأن يجاهد نفسه ، ويعقل قلبه إلى أن يعرف اللّه ، فمتى عرفه جازاه اللّه خيرا ، ورزقه من حيث لا يحتسب .
والرزق الإلهي خلعة الأخلاق الإلهية التي يخلعها على عبده ، كما قال رسول اللّه تخلقوا بأخلاق اللّه ، ومعرفة سر اليقين الذي هو مطمح السالكين كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( تعلموا اليقين فإني أتعلمه ) .
فبجهاد النفس يتوجه المجاهد من الموضوع إلى الذات . . أي من عالم الإمكان والظلال والتبدل والتغير إلى عالم الوجوب والحق والثبات والجمال .
فمن كتبت عليه الشقاوة وهو في بطن أمه كانت زينة الدنيا له فتنة . ذلك لأن زينة الدنيا حجاب عن اللّه ، وحجاب بالنفس عما في النفس من أسرار ، واللّه سبحانه يقول :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( 21 ) [ الذّاريات : 21 ] ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( من عرف نفسه عرف ربه ) .
فالجهاد مكتوب على الإنسان ليعرف نفسه ، فمتى عرفها عرف سر نفسه ، وتفتحت بصيرته فرأى ربه نورا في نفسه ، ومليكا لنفسه ، فخرّ ساجدا لربه ، فأهداه الحق نفسه نفسا طيبة صالحة ، متخلقة بأخلاق اللّه . وعلمه عن طريق نفسه أيضا العلم اللدني وما لم يكن يعلم .
وهذا التعلم الرباني الذي يتم عن طريق صراع الأضداد ، أي الديالكتيك النفسي ، وما يتمخض عنه من خير يؤدي إلى ما سمي فقها إقامة الصلاة . فإقامة الصلاة شرط أساسي لها ، وإقامتها تحقيق الصلة بين الإنسان وربه ، ومتى اتصل فلا انفصال ، وأشرقت شمس الحق فأنارت النفس والعقل والقلب ، وصار الإنسان عبد اللّه الصالح ، مأمورا من قبل ربه ، لا يأتي أمرا ، ولا يحرك ساكنا إلا بإذنه ، وهذا العبد جوزي خيرا ، كما جوزي يوسف عليه السّلام الذي آتاه اللّه الملك ، وعلمه تأويل الأحاديث وتوفاه مسلما ، وألحقه بالصالحين ، وهذا ما اختتمت به السورة قائلة :
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى
.