تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
يجف نهر في منطقة فييبس الزرع ، وتنفق الحيوانات أو تهاجر ، وتتحول الغابات إلى صحراء قاحلة ، ويكون الظاهر هو الخراب والموت . . . في حين أن علماء الطبيعة والجيولوجيا اكتشفوا أن الأرض تلجأ إلى هذه الوسيلة لتريح نفسها . . . حتى إذا تفجرت الأنهار ثانية ، وعادت الحياة إلى الأرض الموات ، كانت الحياة الجديدة قوية نشطة فتية ، وعلى هذا الأساس ، ومن هذا المنظور ، بنى هيغل فلسفته القائمة على الديالكتيك أو التناقض فمن دون التناقض لا حياة ، ولقد خص اللّه الإنسان بخاصية التناقض ليكون الخليفة في الأرض وملك المخلوقات الذي لا يضاهى ولا يقاوم . والرسول هنا جبريل أو الروح الكلي الذي هو ممثل اسمه تعالى الحي ، فما فعله السامري هو أنه استغل اسم اللّه الحي في صنع صورة العجل الذي قلنا : إنه النفس الحيوانية ، ولهذا قلنا في موضع سابق : إن النفس تفعل نيابة عن الروح وبإذن الروح ، ثم قلنا إن النفس جسر وواسطة ، فالنفس إن فعلت ما فعلت بذاتها بل بالروح ، وهذا هو الجواب الذي دافع به السامري عن نفسه ، فالسامري ، أو الفكر ، عرف بالحدس أنه إن فعل فهو يفعل بواسطة قوى ليست له . . . وإلا فكيف يفسر الإنسان عملية تنفيذ الأمر الذي يوجهه هو نفسه إلى جارحة من جوارحه ؟ إننا إذا أردنا تحريك يدنا نبهنا المركز الخاص بالحركة في الدماغ بطريقة ما ، فيمتثل الدماغ الأمر ، ويرسل بدروه إشارات كهربائية عبر الأعصاب إلى اليد فتتحرك اليد ، ويقع هذا في جزء من آلاف أجزاء الثانية الواحدة ، وما من عالم متخصص أو جراح دماغ وأعصاب استطاع حتى يومنا هذا أن يفسر سر هذه العملية الباطنة التي يمارسها الإنسان والحيوان ، ولا كيف يتم إصدار الإشارات الكهربائية ، ولا كيف تتوجه الإشارات لتنفيذ الأمر ، وما يزال العلم على تقدمه يقف بباب هذا المحراب غرا مغرورا يرى الظواهر ، ويجهل الأسرار ، التي هي في قبضة الجبار رب الدار .

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 97 إلى 98 ]

قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 ) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ( 98 ) [ طه : 97 ، 98 ] الموعد الأجل المضروب للنفس الجزئية ، والإله الذي عكف عليه الإنسان فكره وأناه ، وحرق هذا الإله اصطلامه ، وهذا ما يتبينه العارف لدى وصوله إلى مقام الجمع ، ونسف هذه الإله في اليم هو مثل غرق فرعون في البحر وجنوده . . . والمعنى الفلسفي عودة الجزئي إلى الكلي ، فالجزء قطرة أو موجة تتحرك فوق البحر ، والبحر الكلي نفسه ، ولا تفصل الصوفية بين الجزئي والكلي ، وكيف يكون الكلي كليا إن لم يكن مجموع الأجزاء ، وكيف يكون الجزئي