تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
اللّه باعتباره الفاعل القاهر ، فالآلهة ، وإن عبدوا كآلهة ، فهم صور ، وبالتالي فهم من جنود اللّه لتحقيق التفريق والإبعاد أولا ، ثم تحقيق التقريب والجمع ثانيا ، ولهذا كان لا بد من وجود فريق من الناس خصوا بالإبعاد ووجود فريق آخر خصوا بالتقريب والجمع .

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 88 إلى 95 ]

وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) [ مريم : 88 ، 95 ] الحديث عن الولد والولادة ، ولقد سبق أن بينا كيف يستحيل أن يكون للّه ولد ، كما بينا كيف يستحيل أن يكون للّه من وجود حق سوى الوجود الشبحي النسبي الإضافي ، ولهذا قال سبحانه :
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
أي باعتبار الكثرة خروج الوحدة إلى عالم العيان وكونها هي المظاهر للاسم الإلهي الظاهر ، فالكل عبيد مربوبون مألوهون ، والأمر في الأرض هو كما ترى علماء الفلك المجرات في الفضاء ، ويرون النظام هو السائد وهو السلطان ، ولقد أوغل أينشتاين في دراساته حتى تنبأ بظهور كوكب جديد في زمن معين ، فتتحقق ما قاله إينشتاين في الوقت المحدد .

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 96 إلى 98 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا ( 96 ) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ( 98 ) [ مريم : 96 ، 98 ] الود شدة المحبة ، وهو تحقيق قوله تعالى :
يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
[ المائدة : 54 ] ، فعملية الاصطفاء دائمة تمارس دورها ، إذ تصطفي من الناس أنبياء وأولياء علماء عارفين محققين يجعل الرحمن لهم ودا ، فيحبهم ويحبونه ، والملاحظ أن هذا الود قرن باسمه تعالى الرحمن من جديد ، وقلنا الرحمن الرحمة العامة ، فالفارق بين الرحمة العامة والرحمة الخاصة المسماة الرحيمية هو الود الذي خص به العارفون ، وشهد التاريخ نماذج ممن خصهم اللّه بوده فكان ابن الفارض سلطان العاشقين ، وكانت رابعة سلطانة العاشقات ، وينسحب معنى الآية الأخيرة لا على الماضي فحسب بل على الحاضر والمستقبل ففي عالم الذرة تبين أن كل ما هو مادي أساسه الذرة ، كما تبين أنه لو توقفت الكهارب السالبة عن الدوران حول الكهرب الموجب لتفكك العالم كله في ثوان ، ونسف نسفا ، وعاد ذرا غير مكثف كما كان ، أما في عالم المعقولات فيكفي ألا تشع شمس الذات أشعتها حتى تكف المعقولات عن أن تكون