[ مريم : 77 ، 81 ]
تحدثت الآيات عن تعين الاسم البعيد الذي يبقى محجوبا عن اللّه لأننا قلنا إن معنى كفر ستر ، وأصحاب هؤلاء التعينات يعتمدون الأنا والمال والولد باعتبار المال والولد زينة الحياة الدنيا وسببا من أسباب القوة والجاه ، ويتحدى اللّه هؤلاء الكافرين متسائلا :
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ؟
والتساؤل بدهي ما دامت الأسماء أصلا للّه بما في ذلك أصحاب أسماء الجلال والبلاء فهؤلاء في القبضة أيضا ، فسواء اعتمد الكفار القوة وأسبابها أم لا فما لهم عند اللّه عهد ، واللّه حر يفعل ما يشاء ، وما يفعله هو الوراثة ، وسبق أن تحدثنا عن الوراثة الإلهية للأسماء وعملها ، وكيف يكون سبحانه وارث كل شيء ، لأن حصيلة عمل كل تعين اسم هو للّه أيضا وإلا لما قال سبحانه :
وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
[ الزّخرف : 84 ] .
وقوله سبحانه :
وَيَأْتِينا فَرْداً
[ مريم : 80 ] يعني انضواء كثرة تعينات الأسماء تحت الوحدة ، ورجوع أصحاب التعينات إلى الاسم الذي هو بمثابة النوع الذي تدرج فيه الأفراد ، فالفرد هنا هو الروح ، حقيقة النوع بل الأنواع ، وسماه الإمام الغزالي : المطاع ، كما قال سبحانه في وصفه :
مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
( 21 ) [ التّكوير : 21 ] ، فليس في الوجود إلا هذا الفرد الذي هو روح كلي تدرج فيه الجموع ، وهو الفاعل بإذن ربه ، ينطلق بالأمر منه إلى المحسوسات ، ثم يعود إليه ، بحصيلة المعقولات ، ويتحقق من ثم كون اللّه هو المورث والوارث ، ويتحقق كونه إلها أوحد .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 82 ]
كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( 82 )
[ مريم : 82 ]
من التضاد عرفت الصوفية سر التوحيد ، فلا بد من الإيمان بالتضاد باعتباره الموضوع ونقيض الموضوع ، كما قال هيغل ، لتحقيق التوحيد ، وإلا لبقي الإنسان في معزل عن اللّه في الأرض ، وهذا ما أشارت إليه الآية قائلة :
وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ،
أي تكون الآلهة ضدا على من يؤمنون بهم ، وهذا صحيح ما دام الإنسان سجينا في قفص التضاد .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 83 إلى 87 ]
أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 86 ) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 87 )
[ مريم : 83 ، 87 ]
تفسر الآيات كيف تكون الآلهة على من يعبدونهم ضدا ، وترجع الآيات عمل الآلهة إلى