[ سورة مريم ( 19 ) : آية 54 ]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا ( 54 )
[ مريم : 54 ]
إسماعيل إشارة إلى أسماء إله التوحيد ( عيل ) الذي عبد في زمن إبراهيم وقبله في بلاد ما بين النهرين وما حولها ، ومنها هاجر إبراهيم إلى فلسطين فالحجاز ، وهذه الأسماء هي التي مثلها الإنسان الكامل المتعين في بشر كما تعينت الحقيقة المحمدية في شخصية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما سويت بشرا ولهذا الوصف نكتة . . . ذلك أن الاسم هو مثل السجل المطوي متى فتح نشر ما فيه ، وما فيه هو خروج ما هو بالقوة إلى ما هو بالفعل ، وعليه فلا يكون الاسم إلا صادقا أولا وصادق الوعد ثانيا ، فإذا صور اللّه الإنسان وهو في بطن أمه في صورة العفة فيكون ذلك الإنسان بعد ذلك عفيفا طوعا أو كرها ، وهذه هي حقيقة القضاء والقدر التي قضت بأن يمثل الناس حقائق الأعيان الثابتة من الأسماء الإلهية .
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 55 ]
وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ( 55 )
[ مريم : 55 ]
أهل إسماعيل إشارة إلى حواسه وقواه ، فإسماعيل هو مثل القلب الذي استمد قواه من الروح فأمر دماغه وما في دماغه من قوى بأن تعمل كذا وكذا ، وما أمر به إسماعيل دماغه الصلاة ، أي أن يكون الإنسان جسما وقلبا ذا صلة بربه لا تنحل عراها ، وما أمر به أيضا الزكاة ، أي أن يحصل المعقولات بعد تجريدها لتقديمها زكاة إلى اللّه الذي سيجعل هذه المعقولات جواهر تزين تاج الألوهية العظيم ، وكون إسماعيل مرضيا يعني أنه من المصطفين بالعناية المسبقة ، فإسماعيل هو من السعداء وهو في بطن أمه .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 56 إلى 57 ]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 56 ) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( 57 )
[ مريم : 56 ، 57 ]
قيل : إن إدريس هو مثل إلياس الوارد ذكره في الكتاب ، والذي يمثل الإنسان الذي تحرر من سجن الناسوت ، وعرج بروحه إلى رفيع اللاهوت ليسبح في ذلك الملكوت ، فإلياس وإدريس وغيرهما من العارجين من الأنبياء الموحدين يمثلون الإنسان الذي حقق مقام التأله ، فصار جسمه هيكلا يحوي اللاهوت العظيم ، قال عبد الكريم الجيلي : إذا طمس النور العبدي ، وفني الروح الخلقي ، أقام الحق سبحانه في الهيكل العبدي ، من غير حلول ، من ذاته لطيفة غير منفصلة عنه ، ولا متصلة بالعبد ، عوضا عما يسلبه منه ، لأن تجليه على عباده من باب الفضل والجود ، وتلك اللطيفة هي المسماة روح القدس ، فإذا أقام الحق لطيفة من ذاته عوضا عن العبد ، وكان التجلي على تلك اللطيفة ، فما تجلى إلا على نفسه ، لكنا نسمي تلك اللطيفة الإلهية عبدا باعتبار أنها عوض عن العبد ، وإلا فلا عبد ولا رب ، إذ بانتفاء المربوب